Tuesday, 15 August 2017

مساعد سيف القذافي لـ «الشرق الأوسط» : «خزنة العمولات» لا وجود لها إلا في تقارير الأميركيين



مساعد سيف القذافي لـ «الشرق الأوسط» : «خزنة العمولات» لا وجود لها إلا في تقارير الأميركيين

الثلاثاء - 23 ذو القعدة 1438 هـ - 15 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14140]
عبد الرحمن كرفاخ
لندن: كميل الطويل
كان نظام العقيد الراحل معمر القذافي يلفظ أنفاسه الأخيرة في مثل هذه الأيام من أغسطس (آب) العام 2011. المعارضون المدعومون من حلف «الناتو» دخلوا لتوّهم إلى طرابلس، وبدأوا فتح ملفات العهد السابق. لم تنحصر هذه الملفات بالقذافي فقط، بل طالت أسرته وأركان نظامه أيضاً، وبينهم سيف الإسلام، الوريث المفترض لحكم والده. تهمتان أساسيتان وجهتا له: التورط في جرائم حرب والفساد. وإذا كان سهلاً، ربما، إيجاد ما يكفي من الأدلة لإظهار وقوفه ضد من ثار على والده، إلا أن اتهامات الفساد، ضده تحديداً، بقيت إلى حد كبير كناية عن مزاعم لم يسندها حكم قضائي، على رغم مرور سبع سنوات على إطلاقها.

وواقع الأمر أن اتهامات الفساد لم تكن «فبركة» من حكّام طرابلس الجدد. فقد روّج لها من قبل مسؤولون أميركيون في تقاريرهم السرية. كتبوا عن «خزنة أموال» زعموا أن سيف يكدّس فيها ملايين الدولارات لقاء عمولات يحصل عليها من شركات أجنبية. تحدثوا عن «شخص غامض» يعمل في الخفاء ويملك مفتاح هذه الخزنة. إنه عبد الرحمن كرفاخ، زميل دراسة سيف في كلية الهندسة، وصديقه بعد التخرج، ورفيق دربه لاحقاً في مشروع «ليبيا الغد».

«الشرق الأوسط» التقت كرفاخ قبل أيام في لندن وحاورته في شأن ملفات الفساد ضد سيف والتي كانت تطاله تلقائياً بحكم مزاعم امتلاكه مفتاح «الخزنة». ولكن هل هناك خزنة فعلاً؟ سألت عبد الرحمن، في بداية اللقاء معه، عن هذه «الخزنة» المفترضة، فأصر على نفي وجودها. قال: «هذا وصف خاطئ. إنه مجرد تخمين من دبلوماسيين أو كتّاب». فقرأت له نص رسالة سرية تعود إلى مايو (أيار) 2008 كشف عنها موقع «ويكيليكس»، وفيها كتب القائم بالأعمال الأميركي في ليبيا كريس ستيفنز، السفير لاحقاً والذي اغتيل عام 2012، قائلاً: «كدّس سيف من خلال كرفاخ، كما يُقال، ثروة شخصية كبيرة، جزئياً لأنه، منذ رفع العقوبات، احتكر إلى حد كبير السوق ذات المردود الكبير في خصوص تسهيل دخول الشركات الأجنبية إلى ليبيا». هز عبد الرحمن رأسه نافياً في شكل جازم تورط سيف في العمولات التي تحدث عنها الدبلوماسي الراحل. قال: «غير صحيح بتاتاً وجود صندوق جمع فيه سيف عمولات كان يحصل عليها. كانت هذه المزاعم إحدى النقاط التي أثيرت ضدي أمام القضاء البريطاني الذي برّأني».

بدأت علاقة كرفاخ بسيف الإسلام خلال دراستهما في كلية الهندسة بجامعة الفاتح في طرابلس، واستمرت إلى ما بعد التخرج، حيث كان الأول من الأعضاء المؤسسين لـ«مؤسسة القذافي الخيرية» التي أشرفت على إطلاق مشاريع سيف خلال مرحلته «الإصلاحية». وبعد سقوط طرابلس في أيدي الثوار في صيف 2011، سارع عبد الرحمن إلى الخروج منها مستهلاً رحلة المنفى، إلى تونس فتركيا وبريطانيا. كان قراره ترك ليبيا صائباً كما يبدو؛ إذ إن حكّامها الجدد وجّهوا له اتهامات بالفساد، من ضمن مجموعة من المحسوبين على الحكم السابق. يقول عبد الرحمن إن الاتهامات لم يكن لها أساس، بل نتجت من سوء فهم لعلاقة سيف بشركات كبرى كان يسعى إلى جلبها لليبيا. ويوضح: «نتيجة علاقتي بالدكتور سيف الإسلام ونتيجة تداول اسمي حتى في دوائر الأمانات (الوزارات السابقة)، وقربي من برنامج (ليبيا الغد) الإصلاحي التنموي – كانت تحصل اتصالات مع شركات ومسؤولين غربيين وعرب، ومن كل بقاع العالم يأتون إلى ليبيا التي كانت تشهد فورة تنموية بين 2008 و2011، كان اسمي متداولا بحكم جهود برنامج (ليبيا الغد). النظام الإداري الليبي لم يتطور في شكل يستوعب طموحات البرنامج. كانت هناك بيروقراطية. وبما أنني متابع لبرامج التنمية العمرانية وتدريب القيادات الإدارية الشابة في (ليبيا الغد) فقد كنا نسهل بعض هذه المواضيع ونوصل المعلومات الحقيقية، سواء عن صاحب برنامج (ليبيا الغد) الذي هو المهندس سيف الإسلام، أو طريقة الاتصال بالإدارات المعنية في الدولة بهدف تسهيل العمل».

ويضيف: «كنا كجيل شباب مندفعين ونريد أن ترتقي ليبيا كبقية الدول في إطار عملية إصلاح. وطبعاً ليس كل الشركات وليس كل الناس الذين عملوا آنذاك كانوا جميعهم نظيفين. كانت هناك أخطاء لا يمكن نكرانها. لكن هذه الأخطاء التي كانت تدور إشاعات في شأنها لم تكن ناتجة من ممارسات صادرة عن سيف الإسلام ولا عني. ربما حصلت في دوائر أخرى، وبعضها بسيط جداً نتيجة الكم الهائل من المشاريع». قلت له إن تقارير الدبلوماسيين الأجانب كانت تحدده هو بوصفه المتورط مع سيف في جمع العمولات من شركات أجنبية، فقال: «لم أكن شخصاً يجلس في منزله ولا يخرج منه. كنت أقابل سفراء ودبلوماسيين، ولا سيما الملحقون التجاريون، فاعتقدوا أننا مثل البوابة أو الحاجز، الذي تمر عبره عقود الصفقات. لكننا لم نكن كذلك. كنا نعمل على برنامج إصلاحي كبير».

وشرح طبيعة علاقته بشركة بناء كندية عملت في ليبيا وأقرت بتورطها في فساد. قال: «هذه الشركة مارست فساداً دولياً، وليس في ليبيا فقط. في 2013 تبيّن أنها مارست فساداً وقُبض على مديرها الإقليمي في سويسرا وحُقق معه وأدلى باعترافات ضد جميع من تعامل معهم (بالرشوة)... من خلال محاميّ، جلبت أوراق التحقيقات السويسرية بما في ذلك العمولات التي تم دفعها في ليبيا وغيرها، لكن لم يرد لا اسمي ولا اسم سيف؛ لأننا في الحقيقة لا يمكن أن نقبل بتلقي رشى... كانت العروض كثيرة جداً، لكن سيف الإسلام عنده فوبيا (حساسية مفرطة) من الفساد».

ويوضح عبد الرحمن، أن لجنة مكلفة من النيابة العامة الليبية حققت معه في تركيا و«أجبت عن أي سؤال طرحوه عني وعن سيف الإسلام. قلت لهم إنني غير متورط في الفساد. لا تريدون تصديقي، فآتوا بدليل ضدي؟ كل الحكومات الأجنبية تريد الحصول على عقود في ليبي،ا وبالتالي فإن من مصلحتها أن تأتي بأدلة تديننا. ليس من مصلحة الغرب التستر علينا. لكن لم يكن هناك أي شيء ضدنا... استمعوا لي وأجروا محضراً وتم توقيعه. بعد سنة اغتيل النائب العام في ليبيا عبد العزيز الحصادي (استقال في 2013 وقُتل مطلع 2014). فتم تغيير اللجنة. طلبوا مثولي للتحقيق من جديد فوافقت، لكنهم أصروا على أن آتي إلى ليبيا. رفضت، فوضعوني في قوائم الإنتربول». ولفت إلى أن هذه القضية لاحقته بعد لجوئه إلى بريطانيا، حيث خاض معركة قضائية ضد وزارة الداخلية انتهت العام الماضي بصدور حكم لمصلحته. وقال: «كان القضاء نزيهاً معي وبرّأني من تهم الفساد».

تجنّب عبد الرحمن خلال المقابلة الإدلاء بأي تعليق على فساد يمكن أن يكون أفراد آخرون من أسرة القذافي قد تورطوا فيه، حاصرا أجوبته بسيف وبه شخصياً. سألته هل يتوقع الآن دوراً سياسيا لسيف، خصوصاً بعد كلام المشير خليفة حفتر عن حقه في لعب مثل هذا الدور، فأجاب: «سيف مواطن عادي ويمكنه أن يفعل ما يريد. إذا قرر لعب دور سياسي فسيكون هناك محبون له من الشعب، ولا سيما في فئتي الشباب والشيّاب. بعد السنوات السبع العجاف التي مرت على ليبيا بدأ الناس يكتشفون الحقائق، ولكن هل يريدونه سياسيا أم رئيساً فهذه حاجة أخرى».

Monday, 3 April 2017

السجان والسجين - مقالتي في الحياة


النسخة: الورقية - دولي الأحد، ٢ أبريل/ نيسان ٢٠١٧ (٠١:٠ - بتوقيت غرينتش)
تعود القصة إلى عام 2005. «بطلها» القيادي في «الجماعة المقاتلة» الليبية خالد الشريف. بعد سنتين من العذاب على أيدي الأميركيين الذين اعتقلوه في باكستان عام 2003، وجد الشريف نفسه فجأة في طرابلس. سلّمته وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) على طبق من فضة إلى الاستخبارات الليبية. كان في انتظاره عبدالله السنوسي، عديل العقيد معمر القذافي. كان بإمكان هذا الرجل، المعروف ببطشه، أن يتخلص منه بسهولة، ويرسله إلى حبل المشنقة. لكنه لم يفعل، ليس رأفة على الأرجح، بل لأن الاتفاق مع الأميركيين لا يسمح بذلك.
خرج الشريف عام 2010 من سجنه في إطار «مراجعات» للتخلي عن العنف أجرتها «المقاتلة»، بالتنسيق مع أجهزة الأمن وبرعاية سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد. لكن لم تمر سنة حتى عاد الشريف إلى حمل السلاح في «ثورة فبراير» وتولى منصباً رفيعاً في أجهزة الأمن التي قامت على أنقاض «الجماهيرية». وبحكم منصبه الجديد كان الشريف، في آذار (مارس) 2012، واحداً من الذين استقبلوا عبدالله السنوسي في طرابلس بعدما سلّمته الاستخبارات الموريتانية. ذكّر السنوسي الشريف، خلال التحقيق معه، بأنه هو من أنقذه من الموت عندما أهداه الأميركيون للقذافي. فرد عليه بأن الله هو من أنقذه وليس له فضل في ذلك.
استعادة هذه القصة مرتبطة بالإفراج الذي تم قبل أيام عن مسؤولين في نظام القذافي في إطار مفاوضات بينهم وبين سجّانيهم من القادة السابقين في «المقاتلة». ضمت الدفعة الأخيرة من المفرج عنهم 12 شخصاً خرجوا من سجن الهضبة في طرابلس الذي يشرف عليه الشريف، وسط معلومات عن أن إطلاقهم يأتي في إطار رغبة الإسلاميين في استمالة أنصار النظام السابق، على رغم أن المبرر الذي يقدّمه الطرف الأول هو أنه لا يفعل أكثر من تنفيذ أوامر قضائية. وبغض النظر عن صحة ذلك، إلا أن المعروف أن مفاوضات تجرى منذ أكثر من سنة بين الإسلاميين وأنصار القذافي المسجونين، وكان من أبرز نتائجها إطلاق رئيس المؤتمر الشعبي (البرلمان) محمد الزوي الذي يقوم منذ ذلك الحين باتصالات بين الطرفين داخل ليبيا وخارجها. لم تصل هذه المفاوضات بعد إلى اتفاق كامل، وإلا لكان سجن الهضبة قد أُفرغ الآن من ضيوفه البارزين مثل السنوسي وأبو زيد دوردة، رئيس جهاز الأمن الخارجي سابقاً، والبغدادي المحمودي، رئيس الوزراء السابق، وغيرهم الكثير.
والواقع أن الإسلاميين ليس هم فقط من يحاول استمالة أنصار القذافي. فقد سبقهم إلى ذلك المشير خليفة حفتر الذي أصدرت الحكومة التي تؤيده في الشرق (حكومة عبدالله الثني) عفواً عاماً سمح بعودة أعداد لا بأس بها من المنفيين، وشجع جنوداً على الانضمام مجدداً إلى «الجيش الوطني» الذي يقوده حفتر.
وفيما يتنافس حفتر والإسلاميون على استقطاب أنصار القذافي، يبدو موقف نجل العقيد الراحل، سيف الإسلام، غير واضح. فهو موضوع في إقامة جبرية «فضفاضة» في الزنتان منذ اعتقاله نهاية عام 2011. وقد خُفّفت القيود المفروضة عليه أخيراً وسُمح له بزيارات وبوسائل اتصال، لكنه لم يدل بتصريحات. وعلى رغم أنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وعليه حكم بالإعدام من محكمة في طرابلس، إلا أن سيف ظهر أخيراً بوصفه شخصية يُدفع بها للعب دور في مستقبل ليبيا. ويعمل مؤيدوه منذ العام الماضي في إطار ما يُعرف بـ «الحركة الشعبية لتحرير ليبيا» التي لقيت مساندة من شخصيات قبلية تساند حكم والده.
ليس واضحاً هل لسيف فعلاً طموح سياسي. لكنه على الأرجح لن يكون مقبولاً لا من الإسلاميين ولا من حفتر. فالإسلاميون الذين أخرجهم هو من السجن على رغم أنف قادة أجهزة والده، يخشون أنه سيسعى إلى الانتقام منهم. أما حفتر فإنه لن يقبل منه أكثر من أن يدعو أنصاره إلى دعم «جيش المشير». وانطلاقاً من ذلك فإن أكثر ما يمكن توقعه الآن من سيف هو أن يسعى فعلاً إلى التقريب بين الليبيين، لكن أن يرث جماهيرية والده بعد أنهار الدماء التي سالت ... فإن ذلك يبدو مستحيلاً سوى في مخيّلة مناصري «الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا»!

Wednesday, 1 March 2017

ما بعد الباب


النسخة: الورقية - دولي الأحد، ٢٦ فبراير/ شباط ٢٠١٧ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
نشرت وكالة أنباء فارس الإيرانية، الإثنين الماضي، مقابلة مع البرلماني السوري مهند الحاج علي الذي قُدّم أيضاً بوصفه «قائد لواء البعث في حلب». قال أن معركة الباب «مفصلية» للأتراك، لأن هزيمتهم فيها «ستُسقط أحلامهم بإنشاء جيش يحشرون فيه مرتزقتهم في الشمال السوري». وبعدما تحدث عن «تقدم سريع» يحرزه الجيش النظامي باتجاه الباب، قال: «خلال أيام ستُعلن مدينة الباب مطهّرة وعائدة إلى حضن الجمهورية العربية السورية».
لم يمر سوى أيام حتى أُعلنت الباب «مطهّرة» بالفعل، لم يقم بذلك الجيش السوري، بل الأتراك وفصائل المعارضة المنضوية في عملية «درع الفرات». كان عناصر هذه الفصائل تحديداً هم، على الأرجح، من قصدهم النائب السوري بحديثه عن «مرتزقة» تعمل أنقرة على إنشاء «جيش» منهم في شمال سورية.
إذاً، انجلت معركة الباب على انتصار تركي، وإن كان مُكلفاً. وبدل أن تعود المدينة «إلى حضن الوطن»، وفق تأكيد النائب البعثي، فإنها تتجه، كما يبدو، لتكون كبرى المدن الخاضعة حصراً لسيطرة «الجيش الحر»، والذي سيكون أمام تحدٍّ لم يواجه مثله من قبل. فقد كانت إحدى أبرز مشكلات المعارضة السورية، في السنوات الماضية، أنها بدت «معارضة منفى». كانت تتحدث عن تغيير النظام، لكنها لم تُقدّم مثالاً على الأرض يوضح رؤيتها لكيفية إدارة «سورية الجديدة». وكان هذا الفشل نتيجة عجز من يمثّل المعارضة في الخارج عن الاستقرار في أراضي سيطرة المعارضين أنفسهم داخل سورية. وفي الواقع، لم يكن هذا العجز مرتبطاً فقط بخوف المعارضين في المنفى من قصف النظام، بل أيضاً بوجود تيارات متشددة داخل المعارضة تمكنت، بقوة السلاح، من فرض رأيها على «الجيش الحر» في أرياف إدلب وحماة وحلب على وجه الخصوص.
والآن، يبدو واضحاً أن طرد «داعش» من الباب يمنح الأتراك و «الجيش الحر» فرصة كي يقدموا «نموذجاً» لكيفية إدارة «المعارضة المعتدلة» منطقة بحجم ريف حلب الشمالي بأكمله تقريباً. وستكون هذه المنطقة خالية ليس فقط من تهديد «داعش» والمتشددين من ضمن المعارضة، بل أيضاً من أي تهديد يمكن أن يمثّله النظام السوري - الذي يبدو أنه توقف فعلاً عن استهداف هذه المنطقة بعدما باتت بمثابة منطقة آمنة غير معلنة لكنها فعلية وخاضعة لإشراف تركي مباشر.
لكن تقديم هذا «النموذج» لإدارة المناطق «المحررة» سيرتبط إلى حد كبير بالخطوة المقبلة للأتراك بعد تحرير الباب. فقد كررت أنقرة مراراً أن قواتها ستتوجه بعد الباب إلى منبج كي تطرد منها «قوات سورية الديموقراطية» التي يشكل الأكراد عمادها. لكن خطوة كهذه يمكن أن تنعكس على علاقة تركيا بالجيش الأميركي، حليف الأكراد في معاركهم ضد «داعش»، لا سيما الجارية حالياً في الضفة الشرقية لنهر الفرات والهادفة إلى «عزل الرقة». يقول الأكراد أنهم انسحبوا من منبج وسلموها إلى فصائل عربية في «قوات سورية الديموقراطية»، لكن سماح الأميركيين للأتراك بانتزاعها منهم يُهدد بانهيار ثقة الأكراد كلياً بالأميركيين، وسينعكس ربما على مستقبل عملية «غضب الفرات» في الرقة.
وأمام الأتراك أيضاً خيار آخر هو التوجه من الباب جنوباً في اتجاه ضفاف الفرات، ومنها نحو مدينة الطبقة وصولاً إلى الرقة، وذلك لمنع الأكراد من السيطرة على هذه المدينة العربية. لكن مثل هذا السيناريو يتوقف إلى حد كبير على الخطوة المقبلة للجيش النظامي السوري المشغول منذ أيام في قضم قرى «داعش» في ريف حلب الشرقي، وتوضح خريطة هذا القضم أن السوريين يسعون إلى قطع الطريق أمام الأتراك للوصول إلى الطبقة والرقة. ويبدو واضحاً بالتالي أن إصرار الأتراك على التقدم من ريف الباب الجنوبي نحو الرقة يُهدد بمواجهة مباشرة مع قوات الحكومة السورية.
معركة الأتراك ضد الأكراد في منبج قد تتوقف على رد الأميركيين، سماحاً أو رفضاً، فيما معركتهم مع الجيش السوري وحلفائه جنوب الباب تتوقف أيضاً على رد الروس، حلفاء حكومة دمشق وداعمي جيشها. وسيكون بالتالي على الأتراك الاختيار بين إكمال معاركهم ضد الأكراد والنظام السوري وبين مساعدة «المرتزقة» (وفق وصف البرلماني السوري) على إنشاء «جيش» يدير شمال البلاد ويكون نموذجاً لشكل سورية المستقبل... كما تتخيلها المعارضة المعتدلة.

التحالف الدولي يدعو أنقرة إلى التركيز على «داعش» ... بدل منبج

التحالف الدولي يدعو أنقرة إلى التركيز على «داعش» ... بدل منبج

الجنرال جونز
النسخة: الورقية - دولي الأربعاء، ١ مارس/ آذار ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الأربعاء، ١ مارس/ آذار ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - كميل الطويل 
دعا قائد كبير في التحالف الدولي ضد «داعش» تركيا أمس، إلى التركيز على مهمة التصدي لهذا التنظيم المتشدد بدل التهديد بمهاجمة مدينة منبج في ريف حلب الشمالي الشرقي بهدف طرد «قوات سورية الديموقراطية» منها. لكنه أشاد، في الوقت ذاته، بما تقوم به تركيا سواء لجهة غلق حدودها أمام عبور «المقاتلين الأجانب» أو طرد «داعش» من الشريط الحدودي جنوباً مع سورية. وجاء كلام الجنرال روبرت جونز، وهو نائب قائد «قوة المهمات المشتركة - عملية العزم الصلب»، على هامش لقاء مع صحافيين خلال اجتماع استضافته وزارة الخارجية البريطانية وضم 38 دولة من الدول الأعضاء في التحالف الدولي ضد «داعش».
وقال الجنرال جونز (بريطاني) «إن شركاءنا يحققون تقدماً كبيراً في الحرب ضد داعش. ففي العام الماضي وحده حرروا مناطق بحجم (مقاطعة) ويلز، وأنقذوا نحو مليوني شخص من نير داعش». وأضاف أن «الأنظار تتجه حالياً نحو تقدم القوات العراقية في غرب الموصل. لقد حقق العراقيون بداية رائعة وتقدموا عبر أكثر من محور ... الآن المقاومة ستشتد بالتأكيد، إذ إن القوات العراقية ستضرب دفاعات العدو التي تم تحصينها على مدى سنتين ونصف السنة. سيكون أمام القوات العراقية في الأسابيع المقبلة مهمة تنظيف 100 ألف مبنى يعيش فيها قرابة 750 الف شخص (في غرب الموصل)». وتابع «أن شركاءنا في سورية، قوات سورية الديموقراطية، يقومون بعزل الرقة، عاصمة داعش المعلنة، واستعادوا مساحات شاسعة من الأرض. من المهم لأمننا (في أوروبا والغرب عموماً) أن يتم تطهير هذه المدينة كي نتصدى للمؤامرات الإرهابية الخارجية (التي يحيكها داعش). ونتوقع في الأسابيع المقبلة أن شركاءنا سيبدأون بالهجوم على الرقة».
وأشاد بنجاح القوات التركية والفصائل السورية المتحالفة معها في طرد «داعش» من مدينة الباب بريف حلب الشرقي قبل أيام، وقال: «إن خسارة الباب خسارة كبيرة جداً للعدو».
وسألته «الحياة» عن تهديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صباح أمس بأن عملية «درع الفرات» التي قام بها الجيش التركي وفصائل سورية معارضة ستنتقل الآن، كما كان مقرراً من قبل، من الباب إلى منبج لطرد «قوات سورية الديموقراطية» منها، فأجاب: «ما قامت به تركيا في الشهور الماضية من خلال تأمين حدودها الجنوبية من داعش كان مهماً جداً لأنه قطع خط الإمداد بالمقاتلين الأجانب القادمين إلى سورية (عبر الأراضي التركية). هذا الأمر كان بالغ الأهمية. كما أننا دعمنا القوات التركية وقوات المعارضة الحليفة لها خلال معركتهم الطويلة والشديدة ضد داعش في الباب. نرحب بما قاموا به هناك ترحيباً كبيراً، وسنواصل العمل عن كثب مع تركيا، وهي حليفنا في حلف الناتو، لرؤية ما هي نياتها الآن. سنجادل بقوة أنه يجب علينا أن نركّز على التصدي لداعش. داعش هُزم في مدينة منبج التي تخلصت من هذه الآفة (على أيدي قوات سورية الديموقراطية العام الماضي). وسنواصل العمل مع تركيا وبقية حلفائنا الدوليين للتركيز على هذا الهدف الوحيد المتمثل في هزيمة داعش». ويعكس كلام الجنرال جونز حذراً خشية إغضاب الأتراك لدورهم الأساسي في محاربة «داعش»، وفي الوقت ذاته قلقاً من أن يؤدي هجوم القوات التركية على منبج إلى إغضاب المقاتلين الأكراد الذين يشكلون عماد «قوات سورية الديموقراطية» التي يدعمها التحالف الدولي في مهمتها الحالية لعزل «داعش» في الرقة.
وسألت «الحياة» الجنرال البريطاني هل يعتبر التحالف الدولي فصائل «درع الفرات» المدعومة من تركيا «شريكاً» له في سورية على غرار «سورية الديموقراطية»، فرد قائلاً: «نحن واضحون في شأن الجهات التي ندعمها وتلك التي لا ندعمها. ولدينا ما يُعرف بالفصائل السورية المعارضة المفحوصة وبعضها كان يقاتل حول الباب. لتركيا شركاء آخرون تعمل معهم. ولكن هذا لا يعني أننا في إطار التحالف الأوسع سنعمل معهم أيضاً». وشدد جونز على أن «المقاتلين الأجانب» الذين يلتحقون بـ «داعش» تراجع عددهم الآن إلى «حفنة» من الأفراد بعدما كان عددهم «مئات شهرياً».
وأوضح التحالف في إيجاز صحافي وزّع على هامش الاجتماع في الخارجية البريطانية أن «داعش خسر 62 في المئة من الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق منذ 2014 و30 في المئة من أراضيه في سورية»، مشيراً إلى خسارة التنظيم 11 مدينة عراقية منذ بدء العام الماضي وإلى أنه لا يسيطر حالياً سوى على أقل من 10 في المئة من أراضي العراق. ولفت إلى أن «غارات التحالف قتلت نحو 45 ألف عنصر من داعش بحلول آب (أغسطس) 2016، بما في ذلك تقريباً جميع نواب أبو بكر البغدادي ومستشاريه المقربين».

Sunday, 19 February 2017

الحل ينتظر «إنهاك» الأطراف السورية


http://www.alhayat.com/Opinion/Camille-Al-Taweel/20241985




النسخة: الورقية - دوليالأحد، ١٩ فبراير/ شباط ٢٠١٧ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
كيف تنتهي الحروب والنزاعات؟ غالباً ما تنتهي بتغلّب طرف على آخر، أو بوصول المتحاربين إلى مرحلة الإنهاك التي ترغمهم على قبول تسوية.
الاحتمال الأول لا يبدو واقعياً في سورية اليوم. فلا النظام قادر على إخضاع معارضيه، ولا هؤلاء قادرون على إطاحته. ماذا عن الاحتمال الثاني؟ ترفض أطراف النزاع، حتى الآن، الإقرار بأنها وصلت إلى مرحلة الإنهاك. فالنظام يكرر، يوماً بعد يوم، عزمه على «استعادة» البلد كله ممن يسميهم «الإرهابيين». والمعارضة، من جهتها، تتمسك بتصميمها على تغييره، بالقوة إن لم يكن سلماً.
ولكن على رغم هذه «العنتريات» من الطرفين، يبدو في حكم المؤكد أن كلاهما أُنهكا، أو شارفا على ذلك. وما قبولهما أصلاً بالجلوس حول طاولة مفاوضات سوى تأكيد على أنهما منهكان. فبديهي أنهما لو كانا قادرين فعلاً على الحسم العسكري لما فكّراً أصلاً في حل تفاوضي.
انطلاقاً من هذه الخلفية، أي إنهاك أطراف الأزمة السوريين، يمكن فهم أهمية الدور الذي تلعبه حالياً الأطراف الإقليمية في التسوية، والمقصود هنا تحديداً إيران من جهة، وتركيا -وبدرجة أقل الأردن- من جهة ثانية. وأهمية دور هذه الأطراف تتمثّل أساساً في أن أطراف النزاع المحليين لن يكون بمقدورهم، وهم منهكون، أن يعرقلوا أي حل وسط يتوصل إليه داعموهم الإقليميون.
وفي الواقع، تبدو صورة نفوذ الإيرانيين على حلفائهم السوريين أكثر وضوحاً من صورة النفوذ التركي، وإلى حد ما الأردني، على الطرف الآخر من المعادلة السورية. فسطوة طهران على دمشق تبدو اليوم واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار. فلولا ميليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية، والإيرانية بالطبع، لما تمكن النظام السوري من الصمود كل هذا الوقت. وتعرف حكومة دمشق بالتأكيد، أن لا طاقة لها على البقاء يوماً إذا ما قرر الإيرانيون سحب البساط من تحتها.
لكن الأمر ذاته لا ينطبق على الأتراك، فسلطة هؤلاء تبدو واضحة على فصائل «درع الفرات» بريف حلب الشمالي، لكنها تتراجع عندما يتعلق الأمر بالفصائل الأخرى، لا سيما في إدلب وحماة. ولهذا، يبدو أمراً بالغ الأهمية ما يحصل حالياً في المحافظتين من عملية «فرز» بين الفصائل، كونها توضح قوة «الورقة» التي يحملها التركي أو ضعفها في المفاوضات. وقد أفرز هذا «الفرز» حتى الآن ظهور «هيئة تحرير الشام» التي يقودها قيادي سابق في «حركة أحرار الشام»، المفترض أن علاقتها ممتازة مع الأتراك. كما أن جزءاً لا يُستهان به من عناصر «الهيئة» يتكون أيضاً من فصيل «نور الدين الزنكي» الذي كان يحظى بدعم قوي من الأتراك (والأميركيين). لكن أن يكون «حلفاء» سابقون للأتراك في موقع قوي في «الهيئة» الجديدة لا يعني بالضرورة أنها يمكن أن تخضع لما تمليه عليها أنقرة. ذلك أن طرفاً أساسياً فيها هو «جبهة النصرة»، المصنّفة «إرهابية»، قد يكون هو من استوعب حلفاء الأتراك إلى صفه (المتمسك بالعمل العسكري)، عوض أن يكونوا هم من استوعب «النصرة» وغيّروا أيديولوجيتها «القاعدية». وفي المقلب الآخر، يبدو رهان الأتراك منصباً على «حركة أحرار الشام» التي تبقى رقماً أساسياً في المعادلة على رغم انشقاق قياديين ومجموعات من صفوفها والتحاقهم بـ «هيئة تحرير الشام».
أما في الجنوب السوري، ففصائل «الجبهة الجنوبية» تبدو ميّالة لسماع «نصيحة» الأردن، وهو طرف يلعب في جنوب سورية دور تركيا في شمالها. ولكن كما في الشمال، لا تبدو الصورة محسومة للأردنيين في الجنوب، فعلى رغم أن فصائل «الجبهة الجنوبية» هي الأكبر، فإن هناك وجوداً لا يُستهان به لـ «هيئة تحرير الشام» التي تشن الهجوم الحالي في درعا، والذي يؤكد أنها لا تشعر بالإنهاك.
هل يمكن، انطلاقاً مما سبق، القول إنه إذا ما اتفق الأطراف الإقليميون على حل لأزمة سورية فإن الأطراف المحليين لن يكون في وسعهم عرقلته بحكم أنهم منهكون؟ «الحل الإيراني» يبدو في حكم المسلّم به في ما يخص النظام في دمشق. لكن باستثناء فصائل «درع الفرات» (تركيا) وفصائل «الجبهة الجنوبية» (الأردن)، فإن بقية فصائل المعارضة تبدو منخرطة في «فرز» يُنهي وجود من يشعر بـ «الإنهاك» فيخرج من المعادلة... أو يبتلعه «حوت النصرة».

Monday, 13 February 2017

قذاذفة الجماهيرية وفرجان المشير... والتسوية الليبية


النسخة: الورقية - دولي الأحد، ١٢ فبراير/ شباط ٢٠١٧ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
«إنت ما زال ما حكمت وحطيتهم كلهم فرجان ... كان تحكم شنو تدير»؟ ترجمة سريعة لمن أشكلت عليه العامية الليبية: «لم تحكم بعد وجميع الذين عيّنتهم كانوا من قبيلة الفرجان، فماذا يمكن أن تفعل لو حكمت فعلاً»؟ محور الانتقاد هو المشير خليفة حفتر المتهم بمحاباة قبيلته، الفرجان. أما موجّه النقد فهو حمزة التهامي، أحد الأوجه الإعلامية لـ «جماهيرية» العقيد القذافي الذي لا يُعرف عنه أبداً محاباة قبيلته، القذاذفة، وسواء كان هذا الزعم صحيحاً أم لا، فاللافت كان أن من بين من يروّج له حالياً بعض الإسلاميين المرتبطين بجماعة «الإخوان»، ربما لضرب العلاقة المتنامية بين حفتر وأنصار النظام السابق. لكن موقفهم هذا يشير، بلا شك، إلى أن الهوّة ما زالت على اتساعها بينهم وبين «المشير» الذي بدوره لم يخف عداءه للإسلام السياسي، سواء تمثّل بـ «الإخوان» أو «المقاتلة» أو «القاعدة وأخواتها».
لا يُبشّر استمرار الشرخ بين حفتر والإسلاميين بنجاح قريب للجهود الإقليمية والدولية الجارية لوضع حد لانزلاق ليبيا أكثر في مستنقع الفوضى. ونجاح هذه الجهود يتطلب، على أقل تقدير، أن يُخفف «الإخوان» وحفتر من حملاتهما المتبادلة، تمهيداً لإطلاق مسار التسوية من جديد. ولا يختلف اثنان على أن فشل حكومة فايز السراج المنبثقة من اتفاق الصخيرات (عام 2015) مرتبط إلى حد كبير بمعارضة الإسلاميين، تحديداً، دوراً لحفتر في قيادة الجيش الليبي.
انطلاقاً من هذه الخلفية، يمكن فهم أهمية دور الأطراف الإقليمية في التسوية الليبية، والمفترض أن تكون لها كلمة مسموعة لدى حفتر ومعارضيه الإسلاميين. فالجزائر وتونس – من خلال جهود الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ورئيس ديوانه أحمد أويحيى والرئيس الباجي قايد السبسي وزعيم «النهضة الإسلامية» راشد الغنوشي– يُفترض أن لهما «مونة» على الإسلاميين الليبيين كي يقبلوا بحل يلعب فيه حفتر دوراً محورياً. وفي المقلب الآخر، لا بد أن مصر «تمون»، بدورها، على حفتر، كون الرئيس عبدالفتاح السيسي داعمه الإقليمي الأول. لكن، أن «تمون» هذه الأطراف شيء وأن يسير الليبيون بنصيحتها شيء آخر. وهذا الأمر ربما لن يتضح إلى حين انعقاد اللقاء المرتقب بين بوتفليقة والسبسي والسيسي في الجزائر.
في موازاة ذلك، بدأ الاتحاد الأوروبي – القلق من موجات المهاجرين والإرهاب المرتبط بالفوضى الليبية - حواراً مباشراً مع روسيا، الداعمة الدولية الأساسية لحفتر. وجاء الحوار في وقت ليّن الأوروبيون موقفهم المعارض للجنرال الليبي، ويبدون استعداداً متزايداً لضمان دور أساسي له بما في ذلك تسليمه قيادة القوات المسلحة... بشرط أن يخضع في نهاية المطاف للسلطة السياسية. وستتجه الأنظار، في هذا الإطار، إلى اللقاء الذي ستستضيفه بون الألمانية يوم الخميس بين وزير الخارجية الإيطالي أنجيلينو ألفانو، الذي تتولى بلاده المبادرة الأوروبية في الشأن الليبي، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وسيسمع الأخير في هذا اللقاء - الثاني من نوعه مع الأوروبيين في خصوص ليبيا - أن القارة العجوز مستعدة لدعم دور أكبر لحفتر، بشرط أن لا يظن نفسه «الرجل القوي»، والأوحد، الذي سيحكم بلده. ويعتقد الأوروبيون أن الروس يدفعون في مثل هذا الخيار في ليبيا، انطلاقاً من اقتناعهم بأن وجود «رجل قوي» في السلطة - حتى ولو كان متسلطاً - يساعد في هزيمة الجماعات الإرهابية والمتشددة.
هل تشترك إدارة دونالد ترامب في هذا الموقف؟ ليس واضحاً ذلك بعد. لكن معارضة المندوبة الأميركية نيكي هيلي اقتراح تعيين الفلسطيني سلام فياض مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة إلى ليبيا خلفاً لمارتن كوبلر، توحي بأن واشنطن وأوروبا لا تسيران بالضرورة على الخط نفسه (فياض كان اقتراحاً إيطالياً). وإلى حين انتهاء الأميركيين من بلورة سياستهم الليبية، على الأرجح بعد التفاوض مع الروس، ستبقى الجهود الإقليمية والدولية تراوح مكانها، وسيبقى حفتر والإسلاميون يتبادلون الاتهامات... وسيبقى أنصار القذافي يترحمون على «جماهيرية» لم تُحابِ القذاذفة أبداً!

Monday, 30 January 2017

العودة المغربية المتأخرة إلى الاتحاد الأفريقي





النسخة: الورقية - دوليالأحد، ٢٩ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
بعد 33 سنة من الغياب، يستعد المغرب للعودة إلى الاتحاد الأفريقي خلال قمته في أديس أبابا (الإثنين والثلثاء). ماذا تعني هذه العودة؟ ولماذا الآن؟
بررت الرباط عام 1984 انسحابها من الاتحاد –منظمة الوحدة الافريقية آنذاك– بأن هذا التجمع الأفريقي قبل في عضويته «الجمهورية العربية الصحراوية» التي أنشأتها جبهة «بوليساريو». جادلت بخطأ الاعتراف لأن «جمهورية بوليساريو» ليست دولة مستقلة ذات سيادة كي يتم قبولها عضواً في المنظمة، بل هي جماعة تنادي بتأسيس دولة في الصحراء الغربية التي يعتبرها المغرب جزءاً من أراضيه. وبما أن «الجمهورية الصحراوية» ما زالت تتمتع بعضويتها في الاتحاد، فهناك من سيسارع إلى القول إن المغرب أخطأ في انسحابه قبل ثلاثة عقود ونيّف. سيجادل هؤلاء بأن اختيار المغرب سياسة المقعد الشاغر أضر به أكثر مما أفاده، إذ حرمه من شرح موقفه في صورة أفضل أمام الأفارقة، وعزز في المقابل صوت «بوليساريو» ومؤيديها.
هذا الأمر صحيح، وإن لم يقله المغاربة صراحة. لكن يجب فهم أن الخطوة المغربية جاءت آنذاك في ظل الحرب الباردة التي قسمت القارة السمراء إلى معسكرين، أحدهما اشتراكي الهوى يحظى بدعم الاتحاد السوفياتي، والآخر يميني مدعوم من الأميركيين وحلفائهم. وعلى رغم خسارة المغرب صوته أمام المنبر الأفريقي، إلا أنه أحسن استغلال الحرب الباردة لمصلحته عسكرياً من خلال إكماله بناء الجدار الرملي العازل بطول 2500 كلم والذي أمّن إلى حد كبير حدود ما يسميها الأقاليم الجنوبية وجعل وجود «بوليساريو» محصوراً في رقعة صغيرة في عمق الصحراء (بئر الحلو). ومع انتهاء المغاربة، عام 1987، من تشييد الجدار كان نزاع الصحراء قد انتهى عملياً من الناحية العسكرية، ولم يعد في استطاعة «بوليساريو» تغيير ميزان المعركة إلا إذا حصلت مواجهة مباشرة بين داعميها الجزائريين وبين الجيش المغربي، وهو أمر لا يريده الجاران المغاربيان اللذان ذاقا سابقاً طعم الحرب المرّ بينهما. وجاء وقف النار الذي أعلنته الأمم المتحدة، عام 1991، ليكرس عملياً انتهاء المواجهة العسكرية وانتقال نزاع الصحراء إلى الساحة الديبلوماسية.
وجاء ذلك مترافقاً مع نشوء الاتحاد المغاربي عام 1989 والذي شكّل فرصة ذهبية لحل قضية الصحراء من خلال تكتل إقليمي يضم المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. لكن اندلاع أزمة الجزائر عام 1992 «فرمل» التسوية الصحراوية في الإطار المغاربي، وأعادها إلى النقطة الصفر قرار الجزائر إغلاق حدودها البرية مع المغرب عام 1994، وهو قرار ما زال سارياً.
لكن فشل إصلاح العلاقة المغربية– الجزائرية لم يعن أن انتهاء الحرب الباردة لم يترك تداعيات على المشهد الأفريقي كلاً في خصوص نزاع الصحراء، فقد تغيّرت أنظمة أفريقية عديدة خلال العقدين الماضيين، وسحب كثير من دول القارة السمراء اعترافه بـ «الجمهورية الصحراوية». وبعدما كانت «بوليساريو» تحظى باعتراف 84 دولة عضواً في الأمم المتحدة، سحبت 37 من هذه الدول اعترافها بالجبهة أو أعلنت «تجميد» هذا الاعتراف. وجاء تقلّص الاعتراف العالمي، بما فيه الأفريقي، بـ «بوليساريو» فيما كان المغرب يقود سياسة انفتاح لافتة تجاه دول القارة. وقاد الملك محمد السادس الذي تولى الحكم خلفاً لوالده الراحل الحسن الثاني عام 2000، سياسة الانفتاح الأفريقي، وقام بجولات عديدة أشرف خلالها على اتفاقات تجارية ومشاريع استثمارية ضخمة مع دول القارة.
وانطلاقاً من هذا الواقع (تراجع الاعتراف بـ «بوليساريو» والانفتاح المغربي على أفريقيا)، كان طبيعياً أن يسعى المغرب إلى استرجاع دوره الأفريقي كاملاً، بما في ذلك إسماع الأفارقة صوته مباشرة من خلال المنبر الذي أخلاه عام 1984. وتبدو هذه العودة موضع ترحيب واسع، في ظل إعلان الرباط أن 40 من دول الاتحاد الـ 53 تؤيد استرجاعها مقعدها الشاغر.
لا تعني هذه العودة أن «بوليساريو» فقدت جميع مناصريها، وعلى رأسهم الجزائر وجنوب افريقيا وأنغولا. لكن العودة المغربية هي الخطوة الصحيحة وإن تأخرت 33 عاماً!

Sunday, 15 January 2017

دهاء البشير وورقة الإسلاميين


النسخة: الورقية - دوليالأحد، ١٥ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
لا يجب أن يختلف اثنان على أن الرئيس السوداني عمر البشير داهية في السياسة، فلولا هذا الدهاء لما كان حكم بلاده بلا منازع فعلي منذ «الانقلاب الأبيض» الذي أوصله إلى السلطة عام 1989، ولولا هذا الدهاء لما تمكّن من السفر من بلد إلى آخر وفي حقه مذكرة توقيف منذ العام 2009 من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة التورط في جرائم ضد الإنسانية في دارفور. ولولا هذا الدهاء أيضاً لما كان تمكن من البقاء على رأس دولة فقدت نصفها تقريباً بانفصال الجنوب عام 2011.
قبل يومين، نال البشير إقراراً بدهائه هذا من الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما، فقد كتب إلى الكونغرس طالباً رفع عقوبات عن السودان، معللاً ذلك بـ «تراجع ملحوظ في الأنشطة العسكرية» التي تقوم بها الحكومة «في بعض مناطق النزاع» (دارفور وكردفان)، وبتعاون الخرطوم مع واشنطن في التعامل مع «التهديد الإرهابي».
في الحقيقة، تلخّص هذه الجملة الأخيرة، إلى حد كبير، ماهية «السلاح السري» الذي ساعد البشير على مدى سنوات في إرغام خصومه على عدم قطع «شعرة معاوية» معه. بالطبع، ليس المقصود هنا أنه هو من يستخدم الإرهاب سلاحاً ضد خصومه، بل أنه يعرف كيف يستخدم ورقة الإرهاب وكيف يتخلص منها عندما تصبح عبئاً.
وقوة البشير، في هذا المجال، مرتبطة بخلفيته الإسلامية التي لا تنفصل عن خلفيته العسكرية. ولذلك، لم يكن غريباً على حكومته الإسلامية اللون والهوى، أن تستضيف في التسعينات طيفاً واسعاً ممن يوصفون بـ «الجهاديين». كان بينهم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن وزعيم «الجهاد» أيمن الظواهري وغيرهما كثير. وكان السودانيون يعرفون بالطبع ما يقوم به ضيوفهم، لا سيما في مصر وليبيا والجزائر، لكنهم تركوهم يعملون… إلى أن طفح الكيل. تزايد الضغط على البشير بعد فشل محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، والتي نفذها إسلاميون انطلاقاً من الخرطوم. شعر أيضاً بأن مصريي «الجهاد» يتصرفون وكأنهم «دولة داخل الدولة» عندما قتلوا صبيين بتهمة التجسس، حتى من دون إبلاغ مستضيفيهم بذلك. وعندما شعر بأن الشكاوى من «الجهاديين» الليبيين والجزائريين وبقية «القاعديين» لم تعد تُحتمل، لم يجد البشير غضاضة في ترحيل ضيوفه المزعجين، وفتح قناة سرية مع الاستخبارات الأميركية.
لم يكن إبعاد بن لادن ورفاقه عام 1996، المرة الأولى التي يستخدم فيها البشير «ورقة» مكافحة الإرهاب. ففي العام 1994، أجرى مقايضة مع المخابرات الفرنسية وسلّمها الإرهابي العالمي كارلوس بعد مطاردة دامت 20 عاماً.
ساعد مثل هذه الصفقات البشير على إبقاء خطوطه مفتوحة مع خصومه حتى في أحلك أوقات نظامه. لكن ارتباطه الذي لم ينقطع بالإسلاميين كان يثير، بين الفينة والأخرى، مخاوف الخائفين منهم. وهو أصلاً لم يخف صلته بهؤلاء، لا سيما بعد «الربيع العربي». في 2011، رد البشير الصاع صاعين للعقيد معمر القذافي، الذي كان دعم محاولة فاشلة قادها متمردو دارفور لقلب نظامه وكادوا ينجحون، بعدما وصلوا إلى أم درمان، إحدى مدن الخرطوم الثلاث، عام 2008. مد الرئيس السوداني خصوم القذافي، بما في ذلك الإسلاميون، ضيوفه «المزعجون»، في التسعينات بجسر جوي ساعدهم في إطاحة العقيد وقتله. كما أعاد البشير تعزيز علاقته السابقة بالإسلاميين المصريين بعد وصول «الإخوان» الذي سدة الحكم.
هل اللعب بورقة الإرهاب ما زال يُجدي اليوم؟
قرار أوباما رفع بعض العقوبات عن السودان يوحي بأن ذلك ما زال مجدياً، وهو ما يعني أن الأجهزة السودانية لا بد أنها تعاونت مع الأميركيين في مجال الإرهاب. وإذا كان ذلك صحيحاً، فأغلب الظن أنه مرتبط تحديداً بنشاط «داعش» وخلاياه. كما أن تسليم تونس أخيراً قيادياً «داعشياً» مطلوباً يوحي بأن الخرطوم جادة فعلاً في تعاون ضد الإرهاب. وإذا كان التعاون ضد «داعش» لا يثير إشكالات، إلا أن التحدي الذي يواجهه البشير مرتبط بـ «الإخوان»، لا سيما المصريين. لكن علاقته الجيدة مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، ومع الدول الخليجية المعارضة بشراسة لـ «الإخوان» (مثل الإمارات) أو المساندة القوية لها (مثل قطر)، توحي بأنه نجح بدهائه المعتاد، في إرضاء الإسلاميين وخصومهم!

Sunday, 8 January 2017

الظواهري و«النصرة» و«بطة القاعدة»



http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/19486868



النسخة: الورقية - دوليالأحد، ٨ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
أدلى زعيم تنظيم «القاعدة»، الدكتور أيمن الظواهري، بسلسلة مواقف تستحق التوقف عندها في كلمته التي وجهها قبل أيام. لم يكن لافتاً فيها هجومه العنيف على إبراهيم البدري (أبو بكر البغدادي)، زعيم التنظيم الذي يُطلق على نفسه اسم «الدولة الإسلامية»، أو «داعش»، كما يُعرف على نطاق واسع، فمنذ افتراق طريق الرجلين على خلفية مرجعية «جبهة النصرة» في سورية، بين نهاية 2013 وبداية 2014، لم يقصّر قادة «القاعدة» و «داعش» في تبادل إطلاق النعوت اللاذعة في حق بعضهم البعض.
حاول الظواهري، في كلمته تفنيد ما اعتبره حملة افتراءات وكذب يشنها أنصار البغدادي على «القاعدة» لتشويه صورتها «الجهادية»، كما قال. وفي هذا المجال، نفى أنه يقبل أن يكون النصارى «شركاء» في الحكم في مصر، وكأن هذه تهمة تستحق النفي. نفى أيضاً «الزعم… أننا لا نكفّر الشيعة وننهى عن قتالهم». وهذه أيضاً تهمة لا بد أن يتم التبرؤ منها (طالب بقتل رجال الجيش والشرطة لأن غالبيتهم شيعة، عوض استهداف عموم أتباع هذا المذهب). وبعدما نفى قبوله الاحتكام إلى «الطاغوت» (الحكّام في الدول العربية أو المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة)، أو قبول معاهدات تسمح لـ «الكفّار» بالسيطرة على أراضي المسلمين، سجّل «تمايزه» عن «داعش» برفضه إيذاء «كل من تحرّم الشريعة العدوان عليهم»، في تلميح إلى المسيحيين في البلدان الإسلامية، ومؤكداً في المقابل رفضه أيضاً تفجير المساجد والحسينيات، وهو أسلوب اعتاد «داعش» تبنيه. لكن الظواهري لم يوضح هل يشمل موقفه هذا تفجير «داعش» الكنيسة القبطية في القاهرة أخيراً، ولا إذا كان يشمل ممارسات قام بها تنظيم «القاعدة» نفسه، مباشرة أو من خلال فروعه، مثل خطف صحافيين وغربيين (لمجرد أنهم غربيون) وحتى راهبات كما حصل في دير معلولة قرب دمشق قبل سنوات.
في أي حال، كل ما سبق من مواقف لا يبدو غريباً صدوره عن «القاعدة» وزعيمها. فكثير منها إنما هو تكرار لمواقف سابقة. لكن ما يستحق التوقف عنده هنا، قد يكون موقف الظواهري من أميركا، إذ دعا من سماهم «مجاهدي أمتنا» إلى جعل استهداف الأميركيين وحلفائهم «أولوية»… ولكن مع «مراعاة ظروف كل ساحة جهادية بما يحقق مصالح الجهاد».
وربما كان هذا بيت القصيد، فالواضح أن الظواهري يريد إعطاء ما يُعرف بـ «فروع القاعدة» حرية أن تنأى بنفسها، ولو موقتاً، عن استراتيجية التنظيم في استهداف «العدو البعيد»، المتمثل بالأميركيين (والغرب عموماً). والمقصود بكلامه هنا، كما يبدو جلياً، هو «جبهة النصرة» التي أعلنت في الصيف الماضي تغيير اسمها إلى «جبهة فتح الشام» وفك ارتباطها بـ «القاعدة». والظواهري، في كلمته، يبرر لـ «النصرة» خطوتها هذه بحجة أنها تندرج في إطار «مراعاة ظروف» الساحة السورية.
هل يتضمن هذا الموقف تناقضاً على أرض الواقع؟ فماذا يعني أن يقول الظواهري إن «القاعدة» تضع نُصب أعينها استهداف الأميركيين كـ «أولوية»، لكنها على رغم ذلك، تترك لفرعها السوري أن لا ينبري لهذه المهمة ذات «الأولوية» انطلاقاً من أن «ظرف» الساحة السورية لا يسمح بذلك، كون هذه الساحة، كما هو واضح، ليست «النصرة» وحدها من يتحكم بها. وبما أن تغيير «الأولوية» ناتج عن «الظرف» وليس الاقتناع بخطأ الهدف، فهل يتوقع الظواهري وقادة تنظيمه أن يصدّق الأميركيون وحلفاؤهم أن «النصرة- فتح الشام» لم تعد فرعاً سورياً لـ «القاعدة» ولم تعد تريد استهداف الغرب لمجرد أن «ظرفها» لا يسمح بذلك؟
قبل أيام، راج كلام على نطاق واسع في شأن «وحدة» سيُعلن عنها بين «النصرة- فتح الشام» وبين العديد من الجماعات «الجهادية» السورية، وهي خطوة تهدد في الواقع بتفكك عدد من هذه الجماعات نظراً إلى حجم المعارضات الداخلية فيها للاندماج مع «النصرة» في تشكيل واحد. وأحد حجج المعارضين لقيام مثل هذا التنظيم الموحد في سورية يندرج في إطار الخوف من أن يشمل التوصيف «الإرهابي» المطبّق عالمياً على «النصرة» بقية الفصائل المتوحدة معها، ولو كان الظواهري أباح لها حرية عدم السير في مهاجمة الأميركيين وحلفائهم.
في الإنكليزية قول مأثور يمكن أن يُترجم كالآتي: إذا كنت تسير كالبطة، وتقيق كالبطة، وتسبح كالبطة… فلا شك في أنك بطة. و «النصرة»، في أعين الأميركيين على الأقل، ستبقى على الأرجح «بطة القاعدة»... حتى لو مشت كالغزال وغرّدت كالعصفور!