Saturday, 6 February 2016

مؤتمر لندن للمانحين يبحث عن تعهدات «طويلة الأمد»

مؤتمر لندن للمانحين يبحث عن تعهدات «طويلة الأمد» ... لأن الأزمة السورية «لن تنتهي قريباً»

ديزموند سواين. (الحياة)
النسخة: الورقية - دولي الجمعة، ٢٩ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الجمعة، ٢٩ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - كميل الطويل 
تستضيف بريطانيا الخميس المقبل مؤتمراً للمانحين الدوليين بهدف تقديم الدعم إلى ملايين السوريين المتأثرين بالأزمة التي تعصف ببلادهم منذ خمس سنوات، وسط مخاوف من أن هذه الأزمة لا تبدو في طريقها إلى حل قريب ما يعني أن التعهدات الدولية بالمساعدات يجب أن تكون أيضاً «طويلة الأمد»، على ما قال وزير التنمية الدولية البريطاني ديزموند سواين أمس.
وقبل أيام من عقد المؤتمر الذي ترعاه المملكة المتحدة والكويت وألمانيا والنروج والأمم المتحدة ويُعنى بمساعدة سورية ودول الجوار التي تستضيف اللاجئين السوريين، قال الوزير سواين في لقاء مع مجموعة من الصحافيين في لندن أنه لا يمكن الآن التعامل مع الأزمة السورية على أنها «حالة طارئة تحصل في شكل عارض، مثل الزلازل، بحيث تُخصص المساعدات للتعاطي مع هذه الحالة فقط وينتهي الأمر. الأزمة السورية تقترب من عامها السادس الآن ولا يبدو أنها ستنتهي في المدى القريب» حتى في حال نجاح مؤتمر جنيف بين النظام والمعارضة السوريين.
وتحدث سواين خصوصاً عن موضوعي التعليم والعمل، قائلاً أنه يأمل بأن ينتج من مؤتمر لندن تعهدات بتقديم مساعدات للسوريين، لا سيما في دول الجوار التي ترزح تحت أعباء استضافة ملايين النازحين منهم. ولفت، مثلاً، إلى أن بريطانيا تقدم مساعدات للبنان من أجل توفير التعليم للأطفال السوريين النازحين في المدارس اللبنانية، قائلاً أن هذه المساعدات بدأت بعشرة ملايين جنيه لوزارة التعليم اللبنانية قبل أن تتم مضاعفتها بناء على طلب رئيس الوزراء ديفيد كامرون إثر زيارته مخيمات النازحين في لبنان العام الماضي. وأشاد بالجهد الذي قام به وزير التربية اللبناني الياس بوصعب، قائلاً أنه قام «بأكثر مما كان يُتوقع منه»، وأن عدد الأطفال السوريين الذين يدرسون في لبنان تجاوز الآن 200 ألف. لكن سواين أضاف أنه «سيكون من حق بوصعب أن يسأل عن الضامن لوصول المساعدات في الأعوام المقبلة من أجل مواصلة التعليم للنازحين السوريين... وهذا يوضح ضرورة أن تكون التعهدات بالمساعدات طويلة الأمد». وزاد أن بريطانيا لن تقبل بأن يكون هناك «جيل ضائع» من السوريين بسبب الحرب الدائرة في بلدهم.
وشدد الوزير البريطاني أيضاً على ضرورة فتح سوق العمل أمام السوريين النازحين في دول الجوار، مقرّاً بأن مثل هذا الأمر سيزيد الضغوط التي تواجهها هذه الدول، لا سيما لبنان والأردن، إذ إن فتح سوق العمل أمام السوريين سيعني تقليل الفرص القليلة المتاحة أمام أبناء البلد. وقال أن الوصول إلى هذه الغاية يتطلب تقديم «حوافز» اقتصادية للدول المضيفة، وهو ما يؤمل بأن يتم الاتفاق عليه في مؤتمر لندن.
وقدّمت بريطانيا منذ عام 2012 قرابة 1.1 بليون جنيه استرليني كمساعدات إنسانية للسوريين، لكن سواين رفض أن يكشف المبلغ الذي ستتعهد بلاده تقديمه خلال مؤتمر لندن، علماً أن مؤتمر المانحين السابق الذي عُقد في الكويت في آذار (مارس) 2015 قدّم تعهدات بـ3.8 بليون دولار لمساعدة السوريين ودول الجوار التي تستضيف النازحين منهم (بعض الدول لم يقدّم كل المبالغ التي تعهد بها). وتقول الأمم المتحدة أن وكالاتها المختلفة تحتاج هذه السنة إلى 7.73 بليون دولار للتعاطي مع تداعيات الأزمة السورية، كما تحتاج إلى 1.2 بليون دولار لمساعدة دول الجوار. وليس واضحاً ما إذا كان مؤتمر لندن سيستطيع جمع تعهدات بمثل هذا المبلغ، خصوصاً في ظل تدهور أسعار النفط واضطرار الدول المانحة التقليدية في العالم العربي لتقليص إنفاقها.
وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن هناك 13.5 مليون سوري في حاجة إلى مساعدات، بينهم 6.5 مليون شخص من النازحين داخل بلدهم و4.59 من اللاجئين في دول الجوار.
وتتوقع بريطانيا أن تشارك الدول المدعوة إلى مؤتمر لندن «على أرفع مستوى»، لكنها لم تكشف أسماء الذين سيحضرون. ومن المرتقب أن تشارك روسيا وإيران في أعمال المؤتمر بعدما وجّهت لهما دعوات، لكن المسؤولين البريطانيين يشددون على أن هذه المؤتمر هو للتعاطي مع أزمة إنسانية و «ليس مؤتمر سلام».

سلام: السوريون النازحون في لبنان مسألة موقتة ... لن تتحوّل توطيناً

سلام: السوريون النازحون في لبنان مسألة موقتة ... لن تتحوّل توطيناً

سلام متحدثاً بعد اختتام مؤتمر لندن وإلى يمينه ناصر جودة (الوكالة الوطنية للإعلام)
النسخة: الورقية - دولي السبت، ٦ فبراير/ شباط ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: السبت، ٦ فبراير/ شباط ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن – كميل الطويل 
شدد رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام على أن لا خوف من «توطين» السوريين النازحين في لبنان على رغم إقراره بأن فترة بقائهم قد تطول في ظل تعذّر إيجاد حل سياسي للأزمة في بلدهم.
وقال في لقاء مع إعلاميين على هامش زيارته لندن التي اختتمها أمس، إن لبنان يسعى إلى الحصول على استثمارات غربية لإنعاش اقتصاده وإيجاد فرص لعمل اللبنانيين والسوريين النازحين، لكنه شدد على أن «الأولوية لتشغيل اللبناني، ثم السوري».
وقال إن لبنان لم يحصل من مؤتمر لندن للمانحين سوى على وعود بتسديد «جزء من المطالب التي رفعها من أجل مساعدته في تحمل عبء استضافة النازحين السوريين والبالغة 11 بليون دولار على مدى خمس سنوات». وأوضح: «طلبنا لم تتم تغطيته في شكل كامل في المؤتمر، لكننا نأمل بالحصول على جزء من التعهدات التي قُدّمت فيه». ومعلوم أن الدول المانحة قدّمت أول من أمس تعهدات تبلغ 11 بليون دولار ويُفترض أن تغطي السنوات 2016– 2020 وتشمل تقديم مساعدات للسوريين ودول الجوار التي تستضيف ملايين النازحين منهم.
وأوضح سلام أن لبنان «لم يعد يستطيع تحمل عبء استضافة النازحين السوريين» البالغ عددهم قرابة 1.3 مليون شخص، وأنه بحاجة إلى مساعدات كي يتمكن من مواصلة القيام بدوره في هذا المجال. وأعطى مثلاً على الأعباء التي يتحملها لبنان في مجال التعليم، قائلاً إن هناك 250 ألف تلميذ لبناني في المدارس اللبنانية في مقابل 200 ألف تلميذ من أبناء النازحين السوريين. وشرح سلام أن حصة لبنان من تعهدات مؤتمر لندن ليست معروفة حالياً، موضحاً أن لبنان لم يعرف سوى قبل فترة وجيزة كم بلغت حصته من مؤتمر المانحين السابق الذي عُقد في الكويت وقدّمت خلاله تعهدات قدرها 3.8 بليون دولار لم يُسدد سوى جزء منها.
وقال سلام أيضاً إنه «إذا لم يكن هناك قرار دولي فاعل بتسوية الأزمة السورية، فإن المسألة (قضية النازحين) ستطول». لكنه زاد إن وجود السوريين على الأرض اللبنانية «مسألة موقتة ... وليست توطيناً»، مؤكداً أنه لم يسمع خلال اللقاءات التي جمعته بمسؤولين دوليين على هامش مؤتمر المانحين «أيَّ كلام عن توطين السوريين في لبنان». لكنه أقر بأنه ناقش مع مسؤولين غربيين قضية تعليم السوريين في لبنان وإيجاد فرص عمل لهم، وهو أمر كان مسؤول بريطاني قد أثاره قبل أيام على أساس أن تعليم السوريين في دول الجوار –مثل لبنان والأردن- وفتح سوق العمل لهم هناك سيساعدهم على البقاء قرب سورية والعودة إليها لاحقاً بدل الانتقال لطلب اللجوء في الدول الأوروبية. وشدد سلام، في هذا الإطار، على أن الوفد اللبناني هو الذي أثار مسألة التعليم والتشغيل للسوريين مع الدول الأجنبية على هامش مؤتمر لندن، موضحاً أن لبنان يبحث عن أي استثمارات أجنبية «تساعد أبناءه في إيجاد فرص عمل لهم أولاً وللسوريين النازحين ثانياً».
وقال سلام: «الأولوية دائماً لتشغيل اللبنانيين»، مضيفاً أن هناك مجالات عمل «تقليدية» للسوريين في لبنان، مشيراً بالتحديد إلى قطاعي الزراعة والبنى التحتية حيث كان يأتي آلاف السوريين للعمل فيهما منذ سنوات ما قبل الحرب الأهلية (قبل 1975).
وفي معرض نفيه إمكان توطين السوريين في لبنان، قال سلام رداً على سؤال لـ «الحياة»، إن «النازحين السوريين جاؤوا إلى لبنان مرغمين بسبب الأوضاع التي يمر بها بلدهم، ولو أتيحت لهم الفرصة للعودة عند تحسّن الأحوال، فإنهم سيعودون بالتأكيد. هم يحبون بلدهم وسيعودون إليه بلا شك». لكنه أقر بأن فترة بقائهم قد تطول، في تعليق على تقدير العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أن «معدل» بقاء اللاجئ في بلد اللجوء يدوم 17 سنة، بناء على أرقام الأمم المتحدة. وقال سلام: «السوريون النازحون في لبنان حالة موقته لن تتحوّل إلى توطين. عندنا حالة الفلسطينيين، الذين مرَّ عليهم عندنا 60 سنة، ولم نقل يوماً إننا نقبل بتوطينهم».
وعن الوضع الداخلي اللبناني، شدد سلام على «أننا بحاجة إلى رأس– رئيس للنظام السياسي اللبناني»، مقراً بأن مواقف «حزب الله» تثير امتعاضاً لدى الخليجيين، وأنه يحاول «تصحيح» الموقف اللبناني من خلال اتصالاته مع دول الخليج. لكنه شدد على أن لا خطر على وظائف عمل اللبنانيين في دول الخليج على رغم استيائها من مواقف الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله. وشرح أنه كان في زيارة للمملكة العربية السعودية وخلال اجتماعه مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز سمع منه مباشرة أن المملكة لن تتوقف عند كلام جهات لبنانية تعرضت فيه للسعودية، في إشارة إلى موقف كان صدر للتو عن نصرالله. وأضاف سلام أن الملك سلمان أشاد وقتها باللبنانيين العاملين في المملكة ومساهمتهم في نهضتها ونموها. وعلى هذا الأساس، خلص تمام إلى التأكيد أن لا خوف على وظائف اللبنانيين العاملين في الخليج.

Wednesday, 20 January 2016

الاسكندرية في «فوضى جميلة» تطوي «تظاهرات الإخوان»

الاسكندرية في «فوضى جميلة» تطوي «تظاهرات الإخوان»

http://www.alhayat.com/Articles/13532078

 

من الاحتجاجات التي شهدتها الإسكندرية بعد عزل مرسي. (من مواقع التواصل الاجتماعي)
النسخة: الورقية - دولي الأربعاء، ٢٠ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الأربعاء، ٢٠ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) الاسكندرية – كميل الطويل 
كانت السيارات تقف في طوابير لا نهاية لها في شوارع الاسكندرية الساحلية شمال مصر، فيما الأرصفة مكتظة إلى آخرها بالمارة. عشرات الآلاف، على أقل تقدير، كانوا يسيرون يميناً ويساراً في فوضى عارمة. هذه منقّبة، وتلك سافرة، وبينهما محجّبة. رجال ملتحون بهندام يوحي بانتمائهم السلفي الأكيد، أو بـ «زبيبة» «تزيّن» جباههم وتؤكد «التزامهم» الإسلامي، فيما التحف آخرون بزيّ شعبي «بلدي»، وارتدى غيرهم ملابس «على الطراز الغربي». كان شرطي المرور يحاول جاهداً تنظيم حركة السير، فيما المارة يتنقلون من ضفة شارع إلى الضفة المقابلة بالقفز بين سيارات رابضة في أماكنها بلا حراك.
على رغم هذه الفوضى الواضحة، كان المشهد جميلاً في الواقع. فالمدينة تضج بالحياة. الشرطي يقوم بواجبه (المستحيل!) في تنظيم السير. رجال أمن آخرون ينظّمون محاضر ضبط في حق سيارات متوقفة في شكل مخالف في شوارع رئيسية. الباعة يعرضون سلعهم بينما آلاف المتسوّقين يجولون في الأسواق بحثاً عن مبتغاهم، في حين يتكدّس الموظفون والطلاب والمسافرون في القطارات أو «الترامواي» أو سيارات النقل للوصول إلى مقرات عملهم أو مدارسهم وجامعاتهم.
ولكن لماذا هذا الوصف، وأين «الجمال» فيه؟
ربما كانت هذه المقدمة، في الواقع، ضرورية، لأنها تصف الحياة في شوارع وأحياء مهمة في الإسكندرية مثل سيدي بشر والرمل وسيدي جابر. و «جمال» الحياة في هذه الأحياء مرتبط تحديداً باكتظاظ الحركة فيها – حتى الجنون – كونها كانت قبل شهور فقط «ساحات حرب» يتقاتل فيها مناصرو جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة حالياً مع معارضيهم من أنصار قائد الجيش السابق الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي. والحقيقة أن ليس من المبالغة في شيء الحديث عن أن تلك الشوارع في الإسكندرية كانت فعلاً ساحة قتال بين الطرفين، فأشرطة الفيديو ما زالت متاحة وبسهولة على موقع «يوتيوب» لمن يريد استعادة ذكريات تظاهرات «الإخوان» عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي في صيف 2013، وهي تظاهرات شاركت فيها في البداية حشود ضخمة من مناصري الجماعة، وتخللها إطلاق نار وعمليات حرق واتلاف للمتاجر والسيارات، وحتى جرائم قتل.
قال سائق التاكسي: «هنا حصلت الجريمة»، مشيراً إلى عمارة في ضاحية سيدي جابر قتل فيها مناصرون لـ «الإخوان» مشتبه بهم صبيين مراهقين برميهما من على سطحها (فيديو الجريمة ما زال موجوداً على «يوتيوب»). ثم أضاف: «نقف الآن في ساحة الحرب السابقة. من هذا الاتجاه كان مناصرو الإخوان يأتون ليجدوا أمامهم أنصار السيسي، فتدور المواجهات بينهم، وتشتعل المدينة».
على رغم أن هذه الأحداث لم يمر عليها زمن طويل، إلا أن آثارها اختفت كلياً- أو تكاد– من شوارع الإسكندرية اليوم. فالمدينة تعج بالحياة، وتظاهرات «الإخوان» لم يعد لها وجود، بل إن الجماعة نفسها تبدو مفككة، بل هناك من يقول صراحة إنها تكاد تختفي كجماعة منظمة في الساحة المصرية. فآلاف من قادتها ومناصريها في السجون، وقلة من عناصرها البارزة انتقلت إلى المنفى، في حين أن جموعاً لا بأس بها من المناصرين- كما هو واضح من الحياة العادية التي تشهدها شوارع «ساحات المعارك» السابقة في الإسكندرية– اختاروا طي صفحة «مرسي رئيسي» والتعايش مع واقع جديد يتمثل في حكم «مدني» … يقوده «عسكري». ولا شك أيضاً في أن هناك آخرين من «الإخوان» ممن اختاروا الرد على عزل مرسي بالانخراط في أعمال عنف مسلح، وهو مجال تهيمن عليه حالياً تنظيمات أكثر تشدداً مثل فرع «داعش» المصري (وتحديداً «ولاية سيناء» التابعة لتنظيم «الدولة الاسلامية» في العراق وسورية).
كانت هذه القضية – التطرف والإرهاب المرتبط بجماعات مسلحة تنشط تحت مسميات إسلامية – محور نقاشات مستفيضة شهدتها «مكتبة الإسكندرية» العريقة، وشارك فيها عشرات المفكرين والباحثين والمتخصصين من دول عربية وأجنبية. لم يتوان كثيرون من المشاركين، وتحديداً من مصر، في اتهام «الإخوان» بأنها الجماعة التي خرجت من رحمها جماعات العنف على اختلافها، مستندين إلى كتابات مؤسسي «الإخوان» وقادتهم البارزين – مثل الراحلين حسن البنا وسيد قطب – وفيها دعوات تبدو صريحة إلى تغيير المجتمع بالقوة، وفق ما قال الدكتور رفعت السعيد (حزب «التجمع» اليساري). في المقابل، أكد عدد من مشايخ الأزهر، مثل الشيخ أحمد تركي، أن عنف الجماعات المسلحة ينطلق من فهم خاطئ لتعاليم الدين الإسلامي، مشددين على دور الأزهر في إظهار تسامح الإسلام ووسطيته والتصدي للأفكار التي يروجها معتنقو الأفكار المتشددة، لا سيما تنظيم «داعش». أما مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور إسماعيل سراج الدين فقدم، من جهته، رؤية معمقة لكيفية التصدي لـ «صناعة التطرف» شرحها في كتاب من 314 صفحة بعنوان «التحدي». وجادل سراج الدين في رؤيته هذه بأن الجماعات المتطرفة يمكن أن تواجه بسلاح الثقافة، مشيداً بدور الشباب في ثورات «الربيع العربي» في العام 2011، لكنه انتقد الجماعات الدينية المنظمة لسيطرتها على هذه الثورات، ما ساهم في نشوء أزمات في بلدان عدة وصلت إلى حد الحرب الأهلية.
وعلى رغم أن شريحة واسعة من المتحدثين في النقاشات حمّلت تيار الإسلام السياسي عموماً جزءاً كبيراً من المسؤولية عما تشهد الدول العربية من أزمات ونكبات، إلا أن هناك عدداً آخر– مثل عُريب الرنتاوي (مركز القدس– عمّان)- أصر على أن لا حل على المدى الطويل لمشكلات الدول العربية إذا تمسكت الأنظمة الحاكمة بإغلاق الباب أمام تيارات «الاسلام السياسي». كما جادل آخرون بأن الأنظمة هي التي تتحمّل مسؤولية «صناعة التطرف» نتيجة «سياسات التعذيب في سجونها التي تفرّخ إرهابيين». كما جادل بعضهم بأن مواجهة التطرف والإرهاب لا يمكن أن تعتمد فقط على أسلوب القمع الأمني، بل هي «مواجهة سياسية وتنموية، قبل أن تكون أمنية فقط»، على ما قال الدكتور عماد عبدالغني. وفي الإطار ذاته، جادل الدكتور محمد أبو حمّور الأمين العام لـ «منتدى الفكر العربي» في الأردن، بأن «التشدُّد يُنتج تشدداً، والتطرف يفرز تطرفاً، وكلاهما صانع للإرهاب والعنف».
لكن، بين خيار أنظمة صارمة يهيمن عليها العسكر وقد لا تكون ديموقراطية تماماً، وبين خيار الفوضى التي تحل محل هذه الأنظمة عندما تسقطكما ظهر من ثورات «الربيع العربي»- تبدو شرائح واسعة من الشارع العربي- والمصري تحديداً- ميالة إلى تفضيل وجود دولة، وإن كانت بوليسية، على ألا تكون هناك دولة بالمرة أو دولة تعاني نزاعات وحروباً أهلية و «جماعات تكفيرية»، كما يحصل حالياً في ليبيا وسورية.
ويشارك في هذا الرأي إسلاميون بارزون، كالدكتور ناجح إبراهيم الذي قضى سنوات طويلة في السجون المصرية على خلفية دوره في قيادة «الجماعة الإسلامية» التي شنت حرباً دامية في الثمانينات والتسعينات لإطاحة حكم الرئيس السابق حسني مبارك. يقول إبراهيم إن إحدى المشكلات الأساسية التي يعاني منها العالم العربي والإسلامي حالياً هي مشكلة تفشي «التكفير»، موضحاً إن «القاعدة وداعش وأنصار بيت المقدس وأنصار الشريعة يكفّرون بالجملة … لكن داعش هو أكثر المجموعات تكفيراً». ويعزو ذلك إلى «سوء فهمهم للنص الشرعي».
شارك إبراهيم في جلسات مؤتمر «صناعة التطرف» في مكتبة الإسكندرية، وعلى هامشها قرر أن يأخذني في جولة سيراً على الأقدام في المدينة، حيث كان المارة يُلقون عليه السلام كلما التقوا به. بدا في الواقع كأنه أشهر من نار على علم. فالجميع يعرفه. طلاب الجامعات، رواد المساجد، الباعة والمتسوقونوحتى ضباط الشرطة. جميعهم صافحه، وهو رد على التحية بمثلها، مع الجميع. فصفحة العنف المسلح، كما يبدو، باتت شيئاً من الماضي لديه. سنوات السجن الطويلة– بما فيها جلسات تعذيب لا تُحصى، كما يقول– غيّرته إلى غير رجعة. لم يتغيّر، كما يؤكد، بسبب التعذيب، بل نتيجة مراجعته للنصوص الدينية فاقتنع بخطأ منهج استخدام العنف كوسيلة لتغيير النظام في بلد كمصر. وهو يعبّر علناً، حالياً، عن مواقف تدين الإرهاب والعنف، وبالخصوص ما يقوم به تنظيم «داعش» وفرعه المصري الناشط في سيناء على وجه الخصوص.

Wednesday, 25 November 2015

ISIS in 2015 follows al-Qaeda (or GIA splinter group) in 1998 in targeting football matches in France - my article in al-Hayat today

«داعش» يُكمل في 2015 ما فشلت «القاعدة» في تحقيقه عام 1998

ستاد دوفرانس بعد التفجير (أ ف ب)
النسخة: الورقية - دولي الأربعاء، ٢٥ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٥ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الأربعاء، ٢٥ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٥ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - كميل الطويل 
«لقد أحبطنا للتو مؤامرة تستهدف كأس العالم، واعتقلنا المتورطين». هكذا تحدث المسؤول القضائي الأوروبي في لقاء جمعني به في عاصمة أوروبية في أيار (مايو) 1998. كان يتحدث بالطبع عن كأس العالم لكرة القدم التي استضافتها فرنسا في صيف ذلك العام. قلت في نفسي إن هذا، بلا شك، إنجاز يُحسب للأجهزة الأمنية التي فككت الخلية المتورطة في «مؤامرة كأس العالم» وتلافت تحويل عرس كروي إلى حمام دم. لكن قلبي بدأ يخفق بوتيرة أسرع عندما أسهب المسؤول في شرح تفاصيل المؤامرة وسمّى زعيمها المفترض: «إنه ... وقد اعتقلناه صباح اليوم». كان الشخص الذي يتحدث عنه ناشطاً في جماعة مسلحة في شمال افريقيا، وكنت التقيته قبل يومين فقط من لقائي المسؤول القضائي، ولكن في دولة أوروبية أخرى. في حقيقة الأمر، لم أسمع من هذا الناشط وقتها كلاماً عن مؤامرة تستهدف كأس العالم، لكنه كان فعلاً مسؤولاً مهماً في جماعة مسلحة، وكنت على تواصل معه للحصول على معلومات عن جماعته وأهدافها. أخذت أسأل نفسي: «لا بد أن المسؤول القضائي يعرف إنني على علاقة بهذا الشخص وأنني كنت عنده في الشقة ذاتها التي اعتُقل فيها! فالأجهزة الأمنية كانت تراقب الشقة بالتأكيد وتتنصت على الأرجح على ما يدور داخلها». لكنني قررت تجاهل معرفتي بالمتهم، وتركت المسؤول الأوروبي يكمل قصته! حوكم هذا الناشط الإسلامي - مع آخرين - في القضية المعروفة بـ «مؤامرة كأس العالم» في فرنسا. وعلى رغم أن التهمة أُسقطت عنه، إلا أن القضاء الفرنسي دانه بفترة سجن طويلة بتهمة «الإرهاب».
عدت إلى قصتي مع هذه المؤامرة في ضوء الهجمات الإرهابية التي استهدفت باريس قبل أيام وتضمنت محاولة ثلاثة انتحاريين اقتحام ملعب «ستاد دو فرانس» في باريس، وتفجير أنفسهم خلال المباراة الودية لمنتخبي فرنسا وألمانيا لكرة القدم والتي كان الرئيس فرانسوا هولاند يحضرها شخصياً. فشل الثلاثة، كما يبدو، بسبب إجراءات الأمن الشديدة على مدخل الملعب، ففجر إثنان نفسيهما على مدخلين مختلفين للمعلب فيما فجّر الثالث نفسه أمام كشك لبيع المأكولات السريعة خارجه.
ليس واضحاً تماماً لماذا قرر الثلاثة استهداف مبارة كرة القدم، لكن المرجّح أنهم - مثل بقية المتورطين في تفجيرات باريس ليلة الجمعة 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري - كانوا يبحثون عن طريقة لإيقاع أكبر قدر من الضحايا. فنجاحهم في دخول الملعب وتنفيذهم التفجيرات داخله كان سيعطيهم بلا شك صدى إعلامياً غير مسبوق، خصوصاً في ضوء بث المباراة بثاً حيّاً عبر القنوات التلفزيونية العالمية.
كان هذا - أي إيقاع أكبر عدد من القتلى وكسب صدى إعلامي - بالتحديد ما سعى إليه المتورطون في المؤامرة السابقة التي استهدفت كأس العالم 1998. إذ اختاروا - وفق مراسلات سرية بينهم - مباراة إنكلترا - تونس التي جرت في مرسيليا على أمل النجاح في دخول الملعب وقتل أعضاء الفريق الإنكليزي بقيادة ديفيد بيكهام أمام كاميرات التلفزيون، ما يعطيهم ضجة إعلامية. كما أن المتورطين تداولوا في فكرة تفجير المباراة التي سيخوضها منتخب كرة القدم الأميركي في باريس على أمل استهداف السفير الأميركي الجديد، وفق ما تكشف المراسلات السرية بين أفراد الخلية والمنشورة في كتاب آدم روبنسون «إرهاب في الملعب - كيف استهدف بن لادن بيكهام ومنتخب إنكلترا لكرة القدم» والذي يروي مؤامرة كأس العالم في فرنسا عام 1998.
فشلت مؤامرة 1998 قبل تنفيذها، لكن ذلك لم يمنع، كما يبدو، معتنقي الفكر المتشدد من تكرار المحاولة ولو بعد سنوات طويلة. ولكن في حين تُنسب مؤامرة التسعينات إلى تنظيم «القاعدة» وتحديداً إلى جماعة منشقة عن «الجماعة الإسلامية المسلحة» الجزائرية، فإن منفذي هجمات باريس الحالية، بما فيها الهجوم على «ستاد دو فرانس»، يبدو أنها تمت على أيدي شبان مغاربة ينتمون إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» (أو «داعش»). ويوصف هذا التنظيم أحياناً بأنه أكثر تشدداً من «القاعدة»، على رغم أن هناك من لا يرى فروقاً جوهرية بينهما سوى في بعض المسائل، بما فيها الخلاف على «المرجعية» وهل هي لزعيم «القاعدة» الدكتور أيمن الظواهري أم لـ «الخليفة» أبو بكر البغدادي.
تدل هجمات باريس الأخيرة على أن من يصفون أنفسهم بأنهم «جهاديون» - مناصرو «القاعدة» سابقاً و «داعش» الآن - لا يتوقفون عن تكرار المحاولة في حال فشلوا في المرة الأولى. ففي حالة برجَي مركز التجارة العالمية في نيويورك، لم تنجح المحاولة الأولى التي قام بها الباكستاني رمزي يوسف عام 1993 عندما فجّر شاحنة مفخخة أسفل أحد البرجين على أمل بأن يتسبب سقوطه في انهيار البرج الثاني. اعتُقل رمزي يوسف بعد فشله وفراره إلى باكستان، وهو يقضي حالياً عقوبة السجن المؤبد في الولايات المتحدة. لكن خاله خالد شيخ محمد أكمل «المهمة» عام 2001 عندما أرسل طائرتين مدنيتين مخطوفتين لضرب كل من البرجين، ما أدى إلى انهيارهما ومقتل وجرح الآلاف. لم يكن هجوم 1993 مرتبطاً بـ «القاعدة» آنذاك، لكن خالد الشيخ قام به في 2001 باسم «القاعدة» التي انضم إليها وبايع زعيمها أسامة بن لادن في النصف الثاني من التسعينات. وهناك من يقول إن خالد الشيخ انضم تحديداً إلى «القاعدة» لأنه أيقن بأنه سيستطيع من خلال هذا التنظيم إيجاد ما يكفي من المتطوعين المستعدين لتفجير أنفسهم في أكثر من عملية انتحارية متزامنة (كما حصل في اعتداءات أيلول - سبتمبر 2001)، وهو أمر ما كان ليستطيع تحقيقه لو بقي يعمل بمفرده من دون تنظيم يدعمه. وخالد شيخ محمد مسجون حالياً في غوانتانامو في انتظار بدء محاكمته بتهمة تفجير برجي مركز التجارة.
ويعطي تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998 مثالاً آخر على الفترة الزمنية التي يمكن أن يستغرقها وضع خطة إرهابية ثم تنفيذها. ففي 1993، قام تنظيم «القاعدة» من خلال إحدى خلاياه الناشطة في شرق افريقيا بتصوير السفارة الأميركية في نيروبي ووضع خرائط تُظهر كيف يمكن إدخال شاحنة مفخخة إليها وتفجيرها. وُضع المخطط «على الرف» لسنوات، من دون أن يتضح هل السبب هو العجز نتيجة انشغال «القاعدة» بتطورات أخرى كانت تحصل في أكثر من دولة عربية وأفريقية آنذاك، أو نتيجة اعتقالات استهدفت أعضاء في التنظيم كانوا جزءاً من مؤامرة نيروبي؟ لكن عندما حان الوقت المناسب، أنزل بن لادن خرائط السفارة الأميركية في العاصمة الكينية عن الرف وأرسل عناصر من تنظيمه لتفجيرها بشاحنة مفخخة في آب (أغسطس) 1998، وهو أمر تكرر في الوقت ذاته مع السفارة الأميركية في دار السلام (تنزانيا). وأوقع الهجومان مئات القتلى والجرحى غالبيتهم العظمى من المدنيين الأفارقة، لكن «القاعدة» حققت من ورائهما مبتغاها: توجيه رسالة بأنها باشرت فعلاً حربها ضد «اليهود والصليبيين» والتي أعلنت عنها في ربيع 1998 خلال مؤتمر صحافي في أفغانستان.
انطلاقاً مما سبق، يبدو منطقياً الافتراض أن أجهزة الأمن المختلفة حول العالم تُراجع حالياً مخططات إرهابية تم إحباطها في الماضي خشية أن يحاول مناصرو تنظيم «القاعدة» - أو «ورثته» في تنظيم «داعش» - تكرار ما فشلوا في تحقيقه سابقاً!

Monday, 28 September 2015

جنرال بريطاني



جنرال بريطاني يعتبر أن «أيام داعش معدودة»... و «لا حصانة» لمن يلتحق به في سورية والعراق

النسخة: الورقية - دولي الأحد، ٢٧ سبتمبر/ أيلول ٢٠١٥ (٠١:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الأحد، ٢٧ سبتمبر/ أيلول ٢٠١٥ (٠١:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - كميل الطويل 
«أيام تنظيم داعش معدودة، فلا تلتحقوا به». بهذه الكلمات تحدث الجنرال غوردون ماسنجر، نائب رئيس أركان القوات المسلحة البريطانية، في مقابلة مع «الحياة» بمقر وزارة الدفاع في لندن، بمناسبة مرور سنة على مشاركة بلاده في الحرب ضد هذا التنظيم المتشدد الذي أعلن «خلافة» في مناطق سيطرته في كل من العراق وسورية.
ولكن كيف يُعقل أن يكون كلام الجنرال صحيحاً حين يواصل «داعش» تمدده في هذين البلدين على رغم سنة من الغارات التي تنهال عليه من طائرات تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة ويضم 62 بلداً؟ يرد ماسنجر على هذا التشكيك بالقول: «لا أريد أن أقول إن الوضع ممتاز، ولكننا حققنا انجازاً أساسياً يتمثّل في أن «داعش» لم يعد قوة عملانية لها سيطرة استراتيجية على الأرض. قبل سنة من الآن كان هناك خطر على بغداد وأربيل أن تسقط بأيدي «داعش». ومنذ أن تدخلنا، هذا الخطر تم تلافيه إلى حد كبير. وفي بعض الحالات، تقلّص انتشار «داعش» نتيجة هزائم تكتيكية. وفي تقديرنا أنهم (عناصر التنظيم) يسيطرون الآن على مساحة تقل بما بين 25 إلى 30 في المئة من المساحة التي كانوا يسيطرون عليها قبل عام، وقد حصل ذلك نتيجة نجاحات الأكراد في سورية والعراق وأيضاً نجاحات قوات الأمن العراقية».
ويقر ماسنجر بأن «داعش» يحقق تقدماً في بعض المناطق، مشيراً إلى سيطرته على الرمادي في العراق وتدمر في سورية. لكنه يؤكد أن هذا التقدم «تكتيكي وليس استراتيجياً... فنحن منذ شهور بتنا في حالة تقدم وتراجع تكتيكي مثلما حصل في الرمادي وتدمر... وحتى في بيجي قوات الأمن العراقية ما زالت تحت ضغط كبير ولا استطيع أن أقول انهم استطاعوا تأمينها. ولكن ما أصفه بأنه اندفاعة عملانية استراتيجية كالتي كانت لدى «داعش» قبل سنة، هذه تم وقفها، والآن نحن في حال تقدم وتراجع تكتيكي».
ويوضح أن البريطانيين يقومون بتدريب قوات الأمن العراقية في أربع قواعد عسكرية: واحدة في أربيل (كردستان) وواحدة في الأنبار، واثنتان في ضواحي بغداد. ويقول إن قرار استعادة المناطق من سيطرة «داعش» في العراق أمر تقرره الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي، موضحاً أنها هي من قرر أن «الأولوية» تعود إلى تحرير مناطق غرب بغداد (مثل الفلوجة والرمادي) قبل الانتقال إلى الموصل (نينوى)، مقراً بأن هناك تعقيدات كبيرة تعرقل عملية الموصل بعضها يرتبط بأن المدينة تقع على خط تداخل بين كردستان وبقية العراق وبعضها يرتبط بضخامة المدينة وكثافتها السكانية وكونها مدينة سنّية بينما القوات التي ستشارك في عملية تحريرها تضم شيعة عراقيين ينضوون في إطار ما يُعرف بفصائل «الحشد الشعبي».
ونفى ماسنجر أن تكون الانتصارات التي تحققت حتى الآن في العراق تمت فقط على أيدي مقاتلي الحشد المرتبطين بإيران، قائلاً إن «عناصر الحشد الشعبي غير المرتبط بإيران أظهروا أنهم مقاتلون أشداء، كما أن قوات الأمن العراقية كانت الأكثر صلابة عندما ننظر إلى القوات التي تخوض القتال الأساسي ضد داعش».
وعما يجب أن يُتوقع من الحملة ضد «داعش» في عامها الثاني، قال ماسنجر إن هناك وسيلتين أساسيتين في الحملة: تتمثّل الأولى في سحب البساط الأيديولوجي من تحت أقدام «داعش» وهذا يتم من خلال البلدان الإسلامية التي تشارك في الحملة بما في ذلك «كل البلدان العربية»، أما الوسيلة الثانية فتتم من خلال «التصدي لزعم «داعش» أنه يسيطر على الأرض. واستراتيجيتنا في هذا المجال تعتمد على تدريب وتطوير ودعم قوات أمنية محلية للقيام بمهمة طرد «داعش» من مناطق سيطرته. وهذا يعني تطوير قدرات قوات الأمن العراقية. أما في سورية فالأمر أكثر تعقيداً لأن ليست لدينا علاقة بقوات النظام ولكننا نقوم بتدريب قوات المعارضة المعتدلة ودعم وحدات حماية الشعب الكردية من أجل مواجهة داعش».
وأقر بأن بريطانيا لا تتفق مع تركيا في توصيفها لوحدات الحماية الكردية بأنها إرهابية، قائلاً: «إننا نعتبرهم شركاء شرعيين في القتال ضد «داعش»، وهم حصلوا على دعم جوي أميركي على وجه الخصوص أولاً خلال دفاعهم عن كوباني (عين العرب) وثانياً خلال تقدمهم شرقاً نحو الحدود العراقية (الحسكة) والى حد ما جنوباً (الرقة)».
وقال إن لا تغيير أساسياً في الاستراتيجية الأميركية للتصدي لـ «داعش»، موضحاً أن «الاستراتيجية كانت جازمة منذ البداية بأن علينا حل قضية «داعش» في العراق قبل أن ننتقل الى سورية. إذن الاولوية كانت للعراق ولكن مع ممارسة الضغط على «داعش» في سورية. الذي يحصل الآن أننا نرى فرصاً تكتيكية أكبر لضرب «داعش» في سورية، ونحن في داخل التحالف مصممون على استغلال هذه الفرص، ولكن لا أعتقد ان هذا يعني اننا نغيّر من اعتبار أن الأولولية للعراق».
وسُئل عن رغبة بريطانيا في مد عملياتها لتشمل سورية في حين أن أجواء هذا البلد صارت اليوم «مزدحمة» بعد نشر الروس طائراتهم هناك أيضاً، فأجاب: «إننا نراقب ما يقوم به الروس، وأهم شيء في ما يقومون به هو أن لا يحصل تضارب (دي كونفليكت) بيننا وبينهم. لا نريد أن لا نفهم نيات بعضنا فيؤدي ذلك إلى تبعات غير محسوبة العواقب... واعتقد أن الأميركيين يحبذون إقامة إتصال عسكري - عسكري مع الروس لتفادي ذلك». وتابع: «أما بالنسبة إلى مسلكنا تجاه سورية فالأمر يعود في النهاية إلى البرلمان (إذا أقر توسيع المهمة)، ولكن من وجهة نظر عسكرية فإن توسيع الحملة ضد «داعش» لتشمل سورية له معنى. عدونا الأساسي هو «داعش»، وفي العراق لدينا الإذن بضرب التنظيم حيثما وجد وحيث لا تكون هناك خطورة لحصول أضرار جانبية عند ضربه. ولذلك من المفيد أن يتم مد ذلك إلى حيث يكون «داعش» موجوداً في سورية فنمارس الضغط عليه في المكان الذي يعتقد انه آمن فيه».
وحذّر البريطانيين الذين يفكرون بالالتحاق بـ «داعش» في العراق وسورية، علماً أن عدد هؤلاء يتجاوز 700 وقد بدأت طائرات بريطانية بلا طيار في استهدافهم أخيراً داخل سورية حيث تم قتل الشابين رياض خان (21 سنة) وروحل أمين (26 سنة) بغارة على سيارتهما في الرقة. وقال ماسنجر متوجهاً إلى هؤلاء: «أقول لهم إن أيام «داعش» معدودة. الأكيد أن الضغط يتصاعد على قيادة التنظيم من كل الجهات. أيامه باتت معدودة. لا تصدقوا ما يقولون لكم على ملصقاتهم الدعائية. لا تذهبوا، فلا حصانة لكم هناك».
وكان البرلمان البريطاني أقر في 26 أيلول (سبتمبر) 2014 مشاركة بريطانيا في ضرب «داعش» في العراق، ومنذ ذلك الوقت شاركت طائرات من طرازي «تورنيدو» و «ريبر» مزودة صواريخ عالية الدقة من نوع «بريمستون» و «هلفاير» و «بايفوايز» بنحو 300 غارة وأكثر من 1300 مهمة، إضافة إلى استخدام طائرات تجسس ترصد تحركات التنظيم تمهيداً لتوجيه ضربات له (مُددت هذه المهمة أمس حتى 2016). كما نشرت بريطانيا قرابة 800 جندي في المنطقة حيث يشارك بعضهم في مهمات تدريب قوات الأمن العراقية والكردية.

Tuesday, 30 June 2015

كتاب أبيض» يرسم بـ «الدم» خريطة الجماعات المسلحة في المغرب

 http://www.alhayat.com/Articles/9694354

 

«كتاب أبيض» يرسم بـ «الدم» خريطة الجماعات المسلحة في المغرب

النسخة: الورقية - دولي الثلاثاء، ٣٠ يونيو/ حزيران ٢٠١٥ (٠١:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الثلاثاء، ٣٠ يونيو/ حزيران ٢٠١٥ (٠١:٠٠ - بتوقيت غرينتش) كميل الطويل 
إذا كان القارئ يبحث عن كتاب يقدّم له كل ما يريد أن يعرف عن خلايا المتشددين التي فككتها السلطات المغربية خلال السنوات الماضية، فإن «الكتاب الأبيض عن الإرهاب في المغرب» هو ضالته. إنه، في الحقيقة، «ألف باء» خلايا الجماعات الإسلامية التي تصف نفسها بـ «الجهادية»، بأسماء أفرادها، وأدوارهم، وخططهم، سواء التي أُنجزت أم تلك التي فشلوا في تنفيذها، وارتباطاتهم الخارجية، لا سيما مع جماعات أخرى ناشطة في بؤر التوتر حول العالم، مثل «القاعدة» بفروعها المختلفة، وتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).
من المعلومات التي يتضمّنها «الكتاب الأبيض» - الصادر أخيراً عن «الفريق الدولي للدراسات العابرة للأقاليم والأقاليم الصاعدة» الذي تأسس عام 1997 في جامعة طوكيو ويضم باحثين يابانيين من جنسيات مختلفة - يتضح في شكل جلي أن الباحثين لا بد من أن يكونوا قد استعانوا بأرشيف تحقيقات أجهزة الأمن المغربية مع الموقوفين بتهم التورط في نشاطات خلايا متشددة. لكن ذلك لا يقلل من أهمية الكتاب كمرجع لأي متابع لشؤون الجماعات الإسلامية المتشددة في المغرب، نظراً إلى الكمّ الهائل من المعلومات الواردة فيه، وتفاصيل العلاقات بين المتّهمين وخلفياتهم الفكرية وخططهم والجرائم التي ارتكبوها، والأدوات المصادرة منهم، بما في ذلك أنواع الأسلحة التي حصلوا عليها والمتفجرات التي تمكنوا من صنعها، إضافة إلى شرحه ارتباطات الموقوفين بزملائهم الفارين، ما يرسم صورة شاملة للشبكات وامتداداتها داخل المغرب وخارجه.
يتحدث «الكتاب الأبيض» الصادر بالعربية وبلغات أخرى، عن دور الأجهزة المغربية في إحباط سلسلة لا تنتهي من المؤامرات الإرهابية، في داخل المملكة وخارجها، مشيراً إلى معلومات وفرها الجانب المغربي لأجهزة استخبارات غربية مكنتها «من إحباط كثير من المخططات التي كانت في طريقها إلى التنفيذ» بعد صدور الأوامر ممن يسميهم الكتاب «أمراء الدم». وهو، في هذا الإطار، لا يتردد في اعتبار أن «القاعدة» هي «الأم التي تولّد من رحمها كل الشرور، وكلما أُحكم الطوق وضُيّق الخناق على ملاذات التطرف والعنف، سارعت إلى اختراع مراتع تربة أخرى، ما يؤكد الارتباط العضوي بين الإرهاب وغياب الاستقرار وانتفاء سيطرة الدول على حدودها ومجالاتها». ويتناول الكتاب أيضاً ما يصفه بـ «تلاقح الأهداف» بين الجهاديين، إذ يقول: «بعد أن نجح المغرب في صد المخاطر المنبثقة من الداخل، حدث ارتداد عسكي، هو تحويل معسكرات «القاعدة» والتنظيمات التابعة لها إلى خزان لتفريخ «جهاديين» وضعوا بنادقهم ومتفجراتهم والتجارب الميدانية التي اكتسبوها هناك على الكتف الآخر الموجّه ضد المغرب ومصالح دولية في عمق حدوده».
لا يبدأ الكتاب في رواية قصة «جماعات الإرهاب» في المغرب بحادث تفجيرات 16 أيار (مايو) 2003 في الدار البيضاء والتي نفذها 14 «انتحارياً» (قُتل 11 منهم واعتُقل الثلاثة الآخرون)، في أكبر هجوم من نوعه يستهدف المغرب ويصفه بعضهم بالنسخة المغربية من هجمات «11 سبتمبر 2001». بل يعود إلى سنوات السبعينات عندما تورط أعضاء في مجموعة إسلامية تدعى «الشبيبة الإسلامية» في قتل الناشط اليساري عمر بن جلون، القيادي في «الاتحاد الاشتراكي». ويشير إلى أن تداعيات تلك الجريمة أسفرت عن انقسام في «الشبيبة»، إذ انتقل أعضاء فيها إلى الخارج حيث أسسوا خلايا مسلحة – مثل مجموعة «بدر» و «حركة المجاهدين» – كان بعضها ينشط في دول إقليمية مناوئة للمغرب آنذاك. وينتقل «الكتاب الأبيض» بعد ذلك إلى حقبة التسعينات، شارحاً تداعيات العنف في الجارة الجزائر على المغرب، بما في ذلك نشاطات شبكات الدعم التابعة لـ «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» و «الجماعة الإسلامية المسلحة» وقيام إحداها عام 1994 بتفجير فندق «أطلس أسني» في مراكش، وهو الحادث الذي تسبب في غلق الحدود البرية بين المغرب والجزائر والذي لا يزال ساري المفعول حتى اليوم.
ويشرح الكتاب بالتفصيل تاريخ «الجماعة الإسلامية المقاتلة المغربية» وتأسيسها عام 1995 على أيدي «أفغان مغاربة» شاركوا في الجهاد الأفغاني، وأداروا مضافات في داروينتا وكابول ومخيمين للتدريب في باغرام وكابول. ويقدّم، في هذا المجال، معلومات عن قادة هذه الجماعة، وفق ما توافر عنهم من تحقيقات أجهزة الأمن، وعن محاولتهم إحياء نشاطهم داخل المغرب عقب إطاحة حكم حركة «طالبان» في أفغانستان عام 2001، وعن ارتباطاتهم بشبكات «القاعدة» في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003. ويروي «الكتاب الأبيض»، هنا، قصة المؤامرة التي أحبطتها الأجهزة المغربية عام 2002، والتي تورط فيها سعوديون شاركوا في معارك تورا بورا وكانوا ينوون مهاجمة سفن لحلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال إبحارها في مضيق جبل طارق، ثم ينتقل إلى شرح تفاصيل الهجمات الانتحارية في الدار البيضاء عام 2003، بما في ذلك أدوار القائمين بها وتحديداً زعيمهم تاجر الأحذية المعروف بـ «مول الصباط» (عبدالحق بتناصر).
وعلى رغم نجاح أجهزة الأمن المغربية في تفكيك عشرات الشبكات المتشددة في إطار الحملة التي تلت تفجيرات الدار البيضاء، إلا أن الواقع أظهر تنامياً متصاعداً لهذه الخلايا في السنوات اللاحقة، وتحديداً بارتباط مع تحوّل «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» في الجزائر إلى فرع رسمي لتنظيم «القاعدة» في «بلاد المغرب الإسلامي»، حيث بدأ جهاديون مغاربة الاتصال برفاقهم الجزائريين بهدف تلقي تدريبات في معسكراتهم داخل الجزائر أو في مالي المجاورة حيث لفرع «القاعدة» المغربي امتداد لا يُستهان به. ويكشف الكتاب، في هذا الإطار، تفاصيل اتصالات الشبكات المغربية مع قادة الفرع الإقليمي لـ «القاعدة»، بما في ذلك أميره عبدالمالك دروكدال (أبو مصعب عبدالودود) وأميره السابق في الصحراء مختار بلمختار الملقب بـ «الأعور»، والذي اختلف لاحقاً مع الأول وأسس تنظيمه الخاص باسم «المرابطون».
وتحوي صفحات الكتاب أيضاً كمّاً كبيراً من المعلومات عن الشبكات المحلية التي نشأت خلال العقد الماضي، بما في ذلك الخلايا التي قامت بعمليات داخل المغرب، وتلك التي تولت تأمين سفر المتطوعين إلى العراق أيام أبو مصعب الزرقاوي. وفي هذا الإطار، يقدم الكتاب تفاصيل عن الشبكات التي كانت تنشط في نقل المتطوعين والناشطة على الأراضي السورية، ويورد عن قيادي سعودي في «القاعدة» كان يتولى الإشراف على تقويم المتطوعين قبل إرسالهم (عبر دير الزور) إن تنظيم الزرقاوي (القاعدة في بلاد الرافدين) ليس في حاجة إلى مقاتلين، بل يحتاج إلى أشخاص مستعدين لتفجير أنفسهم، وهو أمر يقول الكتاب أنه يفسّر سبب ارتفاع عدد المغاربة الذين فجّروا أنفسهم في العراق (فرع «القاعدة» هناك أراد فقط «انتحاريين»!).
ومن القصص اللافتة في الكتاب الرواية المفصلة لخلية «عبدالقادر بلعيرج الذي كانا مرتبطاً في الماضي بشبكة الفلسطيني «أبو نضال» وقام بعمليات إرهابية لمصلحته خلال الثمانينات، بما في ذلك استهداف مصالح سعودية بهدف «ابتزاز» الرياض مالياً، إضافة إلى ارتكابه جرائم ضد شخصيات يهودية في بلجيكا، وانتقاله لاحقاً إلى المغرب حيث تولى تهريب أسلحة وبناء شبكة من الإسلاميين، قبل أن يرتبط بتنظيم «القاعدة» ويسافر إلى قندهار حيث التقى أسامة بن لادن وقادة تنظيمه في صيف 2001 (ومع قادة في «الجماعة الإسلامية المقاتلة المغربية» في مضافة كابول).
ويروي «الكتاب الأبيض» أيضاً قصصاً مشوقة عن خلايا الإسلاميين المغاربة، بما في ذلك قصة الشاب الذي قدّم «مهراً لزوجته عبارة عن «حزام ناسف»، وقصة «طناجر الضغط» المفخخة التي تعلمها ناشطون من «القاعدة» قبل سنوات من استخدام هذه الطناجر في تفجير ماراثون بوسطن علي أيدي الشقيقين جوهر وتيمورلنك تسارناييف عام 20013. كما يروي قصة تمدد مناصري «دولة الخلافة» وقيام ناشطين مغاربة بمبايعة أبو بكر البغدادي واتصالهم بجناح منشق عن فرع «القاعدة» المغاربي وينشط في الجزائر تحت اسم «جند الخلافة».
«الكتاب الأبيض» مرجع لا غنى عنه لمتتبعي شؤون الجماعات الإسلامية المغاربية، وإن كان «الأبيض» فيه يقتصر على غلافه بينما صفحاته الداخلية تغرق في برك دم لا قرار لها!


* صحافي لبناني من أسرة «الحياة»