Monday, 2 January 2017

رفعت الأسد رأى فرصته في انفتاح على الغرب ... وبقي «نائب رئيس» في المنفى

رفعت الأسد رأى فرصته في انفتاح على الغرب ... وبقي «نائب رئيس» في المنفى

النسخة: الورقية - دوليالإثنين، ٢ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الإثنين، ٢ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)لندن - كميل الطويل 
تضمنت الوثائق الحكومية البريطانية التي رُفعت عنها السرية قبل أيام في الأرشيف الوطني، محضراً عن «نائب الرئيس السوري» رفعت الأسد الذي كان يحتفظ بهذا المنصب لكنه يعيش في المنفى بين إسبانيا وفرنسا. ويروي محضر للقاء جمعه بسياسي بريطاني أنه كان، في العام 1990، يأمل بأن يعود إلى سورية مستغلاً اضطرار أخيه الرئيس حافظ الأسد إلى الانفتاح على الغرب في إطار تأقلمه مع بدء انحسار نفوذ الاتحاد السوفياتي الذي كان لفترات طويلة حليفاً أساسياً لنظامه. وينقل المحضر عنه قوله «إنه لن يعود إلى دمشق ما لم تتم إعادة تنصيبه في منصبه القيادي السابق، ويُسمح له بأن يعود معه عدد من الضباط الذين تبعوه إلى المنفى». لم يستجب حافظ الأسد، كما يبدو، لمطالب شقيقه الذي كان جرّده منذ العام 1984 من قوّته العسكرية الأساسية (سرايا الدفاع) ونفاه إلى خارج سورية بمنصب «نائب الرئيس» حيث تبعه عدد من قادة الوحدات العسكرية الموالية له.
ما زال رفعت حتى اليوم يعيش في المنفى (خسر منصب «نائب الرئيس» عام 1998)، لكن المحضر البريطاني يعيد التذكير بحقبة الصراعات داخل أسرة الرئيس الأسد، مشيراً إلى علاقات رفعت بزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، في رد كما يبدو على محاولات الرئيس السوري شق المنظمة وقلبها ضد زعيمها.
في 3 نيسان (أبريل) 1990، تلقى وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد وتشارلز باول (السكرتير الخاص لرئيس الوزراء ماغريت ثاتشر) رسالة من النائب في البرلمان جوليان أمري تضمنت محضراً لاجتماع عقده مع «نائب الرئيس السوري» خلال عطلة نهاية الأسبوع (31 آذار - مارس - 1 نيسان) في إسبانيا. جاء في رسالة أمري: «ذهبت لرؤية رفعت الأسد خلال نهاية الأسبوع في البانوس، قرب ماربيا، حيث يملك عقاراً. كان يحاول منذ بعض الوقت أن يرتّب لقاء.
أرفق طيّه ملاحظات عن مناقشاتنا.
لا أعتقد بأن هناك الكثير الذي يمكننا أن نقوم به للتأثير في الوضع (السوري). في المقابل، إذا سُمح لرفعت بأن يعود، وفق شروطه، فهذا يمكن أن يخفف من تشدد النظام البعثي الحالي في دمشق وربما يُضعف المافيا المؤيدة للسوفيات التي ما زالت تحيط بحافظ. ربما علينا أن نشجّع الأميركيين، والمصريين والإسرائيليين المهتمين بأن يسألوا ما إذا كان سيساعد استدعاء الرئيس حافظ رفعت للعودة بوصف ذلك بادرة على تغيير التفكير أو السياسة في دمشق.
أرفق نسخة من هذه الرسالة إلى 10 داونينغ ستريت. جوليان أمري».
وأُرفقت رسالة النائب البريطاني إلى رئيسة الوزراء ووزير الخارجية بمحضر حمل عنوان «ملاحظات في شأن لقاء بين نائب الرئيس السوري رفعت الأسد والنائب جوليان أمري يوم السبت 31 آذار 1990 في البانوس قرب ماربيا من الساعة 8 مساء حتى منتصف الليل». وأضاف المحضر: «عقدت لقاء مع نائب الرئيس استمر ساعتين (محادثة مترجمة) تلاه عشاء. كان (رفعت) يطلب اللقاء منذ بعض الوقت. لم يكن لديه شيء جديد ليقوله. اعتقد بأنه ببساطة كان تواقاً لإبقاء خط الاتصال مفتوحاً.
بدأ رفعت بالحديث عن آماله الكبيرة بحصول تغيير أساسي في ســـياسة ســـورية في آب (أغسطس) العام الماضي. لقد أُجهضت تلك الآمال. في رأيه الوضع لم يتغيّر تغيّراً كبيراً منذ ذلك الوقت باستثناء التحسن في العلاقات بين سورية ومصر. يميل إلى الاعتقاد بأن هذا (التحسن إنما هو) حملة علاقات عامة من كل من القاهرة ودمشق».
وتابع المحضر ناقلاً عن رفعت: «في سورية نفسها الوضع يتدهور لأسباب عدة. الوضع الاقتصادي يسوء ولا يمكن تحسينه من دون الابتعاد عن (سياسة) التحكّم في السوق. لبنان يستهلك قدرات (سورية) ورجالها. عودة الأردن إلى الحكم البرلماني تطرح أسئلة محرجة في دمشق. التأييد السوفياتي يتراجع في شكل واضح. ما زالت موسكو ترسل السلاح لكنها قلّصت في شكل كبير الدعم المادي والمعنوي، وهذا أمر يصبح جلياً. الدعم السعودي يبدو أيضاً أنه في تراجع. ما زال هناك أمل بالدعم الأميركي».
وشرح المحضر ما يعنيه بالدعم الأميركي: «رفعت لا يعتقد بأن المبادرات الأخيرة للرئيس السابق (جيمي) كارتر تمت بناء على تعليمات من واشنطن. كان لكارتر دوماً علاقة شخصية جيّدة مع حافظ الأسد. هو، أي كارتر، يعتبر كامب ديفيد أكبر إنجازاته ويريد أن يستكملها بترتيب اتفاق بين سورية وإسرائيل. لا شك في أنه تشاور مع كل من مصر وإسرائيل بالإضافة إلى واشنطن قبل ذهابه إلى دمشق».
وتابع التقرير: «بالانتقال إلى وضعه الخاص، قال رفعت إنه أوضح (للرئيس الأسد الذي اعتقد بأنه ما زال على اتصال به) أنه لن يعود إلى دمشق ما لم يتم إعادة تنصيبه في منصبه القيادي السابق، ويسمح له بأن يجلب معه عدداً من الضباط الذين تبعوه إلى المنفى. إذا ما كان له أن يعود فإحدى أولى خطواته ستكون الدعوة إلى حوار فوري مع إسرائيل. في تقويمه، حافظ الأسد في وضع لا يختلف كثيراً عن وضع تشاوشيسكو (رئيس رومانيا السابق) وقادة آخرين مؤيدين للسوفيات في أوروبا الشرقية وإثيوبيا. ربما يريد الانعطاف وتبني اتجاه مؤيّد للغرب لكن ذلك سيكون صعباً عليه ويتطلب اقتناعاً من الدول الأخرى المعنية. هو، رفعت، إذا ما سُمح له بالعودة، وفق شروطه، سيكون في وضع أفضل لإقناع دول أخرى في المنطقة بأن تحوّل حافظ حقيقي. حتى الآن، لا يبدو أن هناك تغييراً في هذا الاتجاه من دمشق. في ظل هذا الوضع ليس أمامه (رفعت) من خيار سوى انتظار التطورات».
وتابع أمري: «حديثنا خلال العشاء كان أكثر عمومية (اللقاء الأول كان ببساطة عبر مترجم). رفعت يعرف السوفيات معرفة جيدة. يعتقد بأنهم لا بدّ أن يتراجعوا نحو عمقهم السلافي (الكلمة الأصلية كانت «السوفياتي» لكنها مصححة بخط اليد إلى «سلافي») حيث سيبقون قوة عسكرية لا يستهان بها. يفترض أنهم قد يُبقون أيضاً على علاقات مهمة مع تلك الأراضي «المستعمرة» التي سيكون عليهم تركها»، في إشارة إلى الدول المتحالفة معهم.
واختتم أمري محضره: «جاء إليّ رفعت بعد ظهر اليوم التالي لتوديعي. سألني عن علاقتي بياسر عرفات. عندما قلت له إنني لم أقابله قط، قال إنه سأل فقط لأنه اعتقد بأنني يمكن أن أطلب إرسال تحياتي له كونه سيأتي لرؤية رفعت في مساء اليوم ذاته. (فهمت أن حافظ يدعم جماعة فلسطينية منافسة لمنظمة التحرير الفلسطينية لذلك فإن منظمة التحرير تحاول خطب ود رفعت). جوليان أمري».

علي صالح للبريطانيين إحذروا القط ... النمر! (موضوعي عن اجتياح العراق للكويت 1990)

علي صالح للبريطانيين: إذا حُشِر القط في زاوية سيقاتل كالنمر!


حسني مبارك.
النسخة: الورقية - دولي الأحد، ١ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الأحد، ١ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - كميل الطويل 
تتضمن الوثائق البريطانية التي رُفعت عنها السرية في الأرشيف الوطني، مجموعة ضخمة من التقارير عن الانقسام الذي شهده العالم العربي على خلفية الاجتياح العراقي للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990، وتحديداً بين أولئك الذين هبّوا للوقوف إلى جانب الكويت وحكومتها الشرعية وبين أولئك الذين ساندوا الرئيس العراقي صدام حسين أو اعتُبروا أنهم يقفون في صفّه على رغم إصرارهم على أنهم حياديون ويريدون لعب دور الوسيط لتأمين انسحاب العراق من الكويت.
وفيما تضامنت دول الخليج مع الكويتيين في محنتهم، اتخذ العاهل الأردني الملك حسين والرئيس اليمني علي عبدالله صالح، إضافة إلى زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، مواقف بدت كأنها مؤيدة للعراقيين. ومعلوم أن العراق كان آنذاك حليفاً للأردن واليمن في إطار مجلس التعاون العربي الذي ضم أيضاً مصر. لكن الرئيس حسني مبارك اتخذ موقفاً مختلفاً جذرياً عن حلفائه المفترضين في المجلس، إذ أعلن وقوفه الكامل مع الكويت ودول الخليج ومعارضته الشديدة لما قام به صدام.
وتتحدث حزمة من الوثائق السرية البريطانية عن لقاءات عقدها وزير الخارجية دوغلاس هيرد مع عدد من الزعماء العرب خلال جولة له في المنطقة دامت من 31 آب إلى 5 أيلول (سبتمبر) 1990. وفي هذا الإطار، تتحدث برقية للسفير البريطاني في عمّان سير أنتوني ريف عن محادثات هيرد مع الملك حسين وولي عهده الأمير حسن، ويقول: «ما زال الملك حسين ينوي العمل على «خفص التصعيد» والحل الوسط. ولي العهد أكثر وعياً لضرورة تطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 660 في شكل كامل ومواجهة الكارثة الاقتصادية التي تلوح في الأفق». وأضافت برقية السفير: «صدمني الاختلاف في التعاطي بين ولي العهد و (وزير الخارجية مروان) قاسم من جهة، وبين الملك من جهة ثانية. انطباعي أن ولي العهد نضج خلال هذه الأزمة». وتابعت: «رأى (الأمير حسن) في مرحلة مبكرة حاجة الأردن كي يحدد موقعه بطريقة أكثر وضوحاً مما فعل الملك. بعكس أخيه، لا يخفي ولي العهد آراءه في خصوص صدام وهي تكاد تكون مطابقة تماماً لآرائنا. كما أن لديه فهماً أوضح لدرجة الكارثة الاقتصادية التي تنتظر (الأردن)، وللتبعات السياسية والاقتصادية للظهور بمظهر الداعم للعراق».
وتضيف البرقية متحدثة عن موقف العاهل الأردني: «الملك مستمر في السير بطريقه الخاص به. غير آبه كما يبدو بنزول مكانته لدى تلك الدول العربية التي يُحسب لها الحساب فعلاً وبالمواقف الانتقادية التي واجهها في أوروبا، يبدو مصمماً على المضي في الترويج لتسوية الحل الوسط». لكن التقرير يلفت إلى أن الوزير هيرد «أوضح بجلاء أن هذه المواقف لا يمكن بيعها للمجتمع الدولي (بما في ذلك الدول العربية) بل إنها تعزز الشكوك لدى دول الخليج العربية في أن الأردن يحاول إضعاف الضغوط على صدام». ورد الملك، وفق البرقية، بالقول أنه «ينوي التحدث بصراحة إلى بغداد. يبدو هدفه أن يقنع صدام بالتراجع عن ضم الكويت كخطوة تسبق الانسحاب». غير أن الوثيقة تضيف أن الملك «جادل بأن العودة إلى الوضع كما كان سائداً في السابق ببساطة ليست ممكنة. لا بد أن يحصل استفتاء من نوع ما في الكويت، ويجب ترتيب القضايا الأساسية، مثل توزيع الثروة بين من يملك ومن لا يملك».
وتضمنت وثيقة أخرى محضراً للقاء جمع هيرد بأمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح في السعودية، يوم 4 أيلول. وينقل المحضر عن أمير الكويت أنه شن هجوماً لاذعاً على الرئيس العراقي، وقال: «لن يقبل صدام حسين أبداً بالانسحاب من الكويت والسماح بعودة الحكومة الشرعية. لن يفعل ذلك إلا مرغماً». وبعدما شرح هيرد للشيخ جابر فحوى محادثات أجراها في صنعاء مع الرئيس اليمني، نقل المحضر عن أمير الكويت قوله: «إن اليمنيين الجنوبيين وكثيراً من القبائل الشمالية يختلفون مع الموقف الذي أخذه الرئيس صالح… يعتقد الأمير أنه حصل تغيير في النبرة في وسائل الإعلام اليمنية في الأيام القليلة الماضية، وأعرب عن أمله بأن يُصلحوا الطريق الذي يسيرون عليه».
وتناول المحضر قول هيرد لأمير الكويت أنه يريد أن يقول للأردنيين أنهم إذا «فصلوا أنفسهم عن العراق، فالدول العربية الأخرى ستساعدهم» لكن «الأمير أبدى صعوبة في فهم موقف الملك حسين» مشيراً إلى أن «الكويت ضخت كميات هائلة من الأموال في الاقتصاد الأردني». وتابع المحضر أن «الشعب الكويتي (الآن) موحد وراء التصميم على عدم مساعدة الأردن، وسيجد الأمير أن من الصعوبة بمكان ألا يستجيب لرغبات شعبه».
وتضمن محضر آخر تلقته وزارة الخارحية في لندن، بتاريخ 4 أيلول 1990، فحوى محادثات بين هيرد والرئيس اليمني في صنعاء. ووفق هذا المحضر، قال صالح أن «اليمن لم يوافق أبداً على خرق أراضي (الآخرين) بالقوة ويعارض ضم الكويت». وأضاف أن اليمنيين، في المقابل، «ضد وجود القوات الأجنبية في المنطقة. لا يؤيدون حظراً شاملاً ويحاولون أن يجدوا طريقة للخروج من الأزمة». وحمل علي صالح على «القوى الكبرى» وتحديداً المملكة المتحدة، على خلفية تصريحات رئيسة وزرائها مارغريت ثاتشر، مشدداً على أن «اليمن ليس طرفاً في المشكلة». ونقل المحضر عنه قوله لهيرد: «إن الحل السياسي ممكن بشرط استبعاد الخيار العسكري»، فرد الوزير البريطاني قائلاً أن «الانسحاب العراقي من الكويت يجب أن يتم أولاً»، فقال صالح أن الانسحاب العراقي يجب أن يتم بـ «التوازي» مع انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة، مجادلاً بأنه «يجب أن يُمنح صدام حسين مخرجاً». ومشيراً إلى أن القط إذا حُشر في زاوية فإنه يقاتل كالنمر.
وتناول اللقاء، وفق المحضر، قضية «احتجاز صدام حسين المواطنين الأجانب» رهائن لديه لمنع الغرب من قصف العراق، ونقل عن صالح قوله: «إنه مستعد للمساعدة. إذا أمكن تقديم ضمانة للعراق بأنه لن يتعرض للهجوم» وإنه في هذه الحال يمكنه أن يذهب بنفسه إلى العراق لإخراج «جميع الأجانب». لكن هيرد رد بأن صدام، باحتجازه الرهائن، هو من يجعل العراق أقل أمناً، فرد عليه علي صالح أن الرئيس العراقي «لا يفعل أكثر مما فعل اليابانيون في الحرب العالمية الثانية»، فأجابه الوزير البريطاني بأن «هذا صحيح… لكنهم حوكموا وشُنقوا كمجرمي حرب».
وفي 3 أيلول 1990، كتبت البعثة البريطانية في جدة تقريراً عن محادثات هيرد مع نظيره السعودي الأمير سعود الفيصل الذي أشاد بموقف بريطانيا من إدانة العدوان العراقي وقال أن «السعودية مصممة على أن الحل الوحيد هو انسحاب العراق غير المشروط وإعادة الحكومة الشرعية إلى الكويت». ورفض الأمير سعود الفيصل «المجادلة بأنه يجب إيجاد حل عربي. هذا الأمر جُرّب من قبل، قبل الاجتياح وبعده». وتابع، كما جاء في المحضر، أن «السعوديين خاب أملهم بأقلية من الدول العربية أراحت العراقيين». وبعدما نقل المحضر عن هيرد قوله أن بريطانيا لا تريد أن يخسر الملك حسين عرشه، نسب إلى الأمير سعود أن المملكة «ساعدت بثبات كلاً من الأردن واليمن. وليست لديها رغبة في أن يعاني أي منهما كنتيجة للعدوان العراقي. مجلس التعاون الخليجي سيفعل ما في إمكانه للمساعدة». وأردف المحضر أن السعودية ودولاً أخرى أبلغت الأردن واليمن، رداً على قولهما أنهما أخذا موقفهما الحالي كي يتمكنا من لعب دور أفضل في الوساطة، بأن «وقت التوسط قد فات» وأن لا مجال للقيام بأي شيء سوى إقناع العراق بالانسحاب من الكويت.
ونقل المحضر عن الأمير سعود أن «المملكة العربية السعودية لا تريد، بالطبع، أن يكون موقع الملك حسين مهدداً وليس هناك شك في أن السعودية ستساعده. لكن سياسته محفوفة بالمخاطر. إذا ربح العراق سيخسر الأردن - وإذا خسر العراق سيخسر الأردن أيضاً».
وتضمنت الوثائق البريطانية أيضاً كلاماً منسوباً إلى الرئيس حسني مبارك الذي اجتمع في 5 أيلول بوفد من البرلمانيين الأوروبيين في الاسكندرية. ووفق محضر اللقاء الذي أرسله السفير جيمس آدامز من القاهرة قال مبارك: «ليست لدى العراق نية للانسحاب من الكويت: صدام لديه طموح أن يكون قوة عظمى إقليمية». وزاد المحضر أن «مبارك قدّم سرداً طويلاً للأحداث التي تُظهر أن الملك حسين كان مجرد عميل لصدام حسين»، مضيفاً أن الرئيس المصري قال أنه قبل يومين من الاجتياح، اتصل صدام بمكتبه وسأل ما إذا كان الرئيس المصري «يقبل 50 مليون دولار هدية من أجل أن يُطعم شعبه». وتابع مبارك، وفق المحضر ذاته، أن 25 مليون دولار وصلت في اليوم ذاته وأنه اتصل بصدام طالباً منه أن يستعيدها، «لكن صدام أصر على أن يتركها قائلاً أنه سيكون لديهم الكثير من المال قريباً»، في إشارة كما يبدو إلى أن الرئيس العراقي كان يتوقع جني أموال ضخمة نتيجة اجتياحه الكويت وسيطرته على ثرواتها.
وشن مبارك، وفق ما جاء في المحضر، هجوماً لاذعاً على صدام قائلاً أن الرئيس العراقي «كذب عليّ»، إذ أرسل جنوده لاحتلال الكويت بعد فترة وجيزة من تأكيده له أن جيشه بعيد أكثر من 70 كلم من حدود الكويت وأن هدفه فقط «إخافة» الكويتيين. وروى الرئيس المصري، في هذا الإطار، اتصالاته مع صدام لإقناعه بالانسحاب، وكذلك مع الملك حسين. وأضاف المحضر: «اتصل مبارك بصدام وقال له أنه لو يهمس في أذن الملك حسين بأنه مستعد للانسحاب، فإنه (مبارك) سيرتب اجتماعاً لحفظ ماء الوجه لبعض القادة. لكن كان واضحاً أن الملك حسين كان يعمل فقط لمصلحة صدام وكان يحاول تحييد مصر».
وشن مبارك هجوماً مماثلاً على الرئيس اليمني صالح، إذ قال أن الأخير جاء إليه في الاسكندرية وسأله ما إذا كانت لديه أي ديون مترتبة لمصلحة الكويت، وعندما أجابه بأن لديه ودائع كويتية ضخمة في مصرف مصري، رد علي صالح قائلاً: «إن صدام يلغي كل الديون (الكويتية) المترتبة على مصر». ونقل المحضر عن مبارك أن «صالح جاء كي يرشوه»، مضيفاً: «لقد كذب صدام عليه، وفي شكل متكرر. كما فعل الملك حسين. أما بالنسبة إلى علي عبدالله صالح، فهو ليست لديه خبرة. لقد كان شاويشاً وهو الآن رئيس». ويضيف المحضر أن مبارك كان لاذعاً أيضاً في حق قادة منظمة التحرير الفلسطينية، قائلاً: «لقد تصرفوا بغباء، آملين بالحصول على أموال من صدام».
وفي الإطار ذاته، ينقل تقرير من السفارة البريطانية في مدريد (بتاريخ 5 أيلول) شرحاً قدمته وزارة الخارجية الإسبانية لمحادثات أجراها وزير الخارجية فرانسيسكو فرنانديز أوردونيز مع ياسر عرفات في الجزائر. وجاء في المحضر: «بينما كان في الجزائر، أجرى فرنانديز لقاء «مفعماً بالحيوية» مع عرفات الذي قال أن إحدى وسائل حفظ ماء الوجه المحتملة لصدام حسين هي أن يربط سياسياً بين الانسحاب العراقي وبين المشكلة الفلسطينية، مثلاً من خلال موافقته على عقد مؤتمر دولي ينظر في المسألتين». وجادل عرفات، وفق التقرير، بأن «الانسحاب العراقي يجب أن يأتي أولاً (قبل عقد المؤتمر الدولي)»، مضيفاً أن «الحل العسكري سيكون كارثياً: إذا هوجم، لن يخاف صدام أن يذهب بضربة ضخمة (بانغ)». ورد فرنانديز أوردونيز بالقول أن «على منظمة التحرير الفلسطينية أن تدرك أنها أضرّت بقضيتها من خلال وقوفها بهذا الوضوح إلى جانب العراق»، لكن عرفات كرر موقفه بأنه «لم يربح شيئاً لقاء كل جهوده للاستجابة للشروط الغربية من أجل تقدم عملية السلام»، ومشيراً إلى أن الشارع الفلسطيني يدعم صدام «في شكل كبير جداً».

رفعت الاسد في الوثائق البريطانية - موضوع الحياة اليوم

رفعت الأسد رأى فرصته في انفتاح على الغرب ... وبقي «نائب رئيس» في المنفى

النسخة: الورقية - دولي الإثنين، ٢ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الإثنين، ٢ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - كميل الطويل 
تضمنت الوثائق الحكومية البريطانية التي رُفعت عنها السرية قبل أيام في الأرشيف الوطني، محضراً عن «نائب الرئيس السوري» رفعت الأسد الذي كان يحتفظ بهذا المنصب لكنه يعيش في المنفى بين إسبانيا وفرنسا. ويروي محضر للقاء جمعه بسياسي بريطاني أنه كان، في العام 1990، يأمل بأن يعود إلى سورية مستغلاً اضطرار أخيه الرئيس حافظ الأسد إلى الانفتاح على الغرب في إطار تأقلمه مع بدء انحسار نفوذ الاتحاد السوفياتي الذي كان لفترات طويلة حليفاً أساسياً لنظامه. وينقل المحضر عنه قوله «إنه لن يعود إلى دمشق ما لم تتم إعادة تنصيبه في منصبه القيادي السابق، ويُسمح له بأن يعود معه عدد من الضباط الذين تبعوه إلى المنفى». لم يستجب حافظ الأسد، كما يبدو، لمطالب شقيقه الذي كان جرّده منذ العام 1984 من قوّته العسكرية الأساسية (سرايا الدفاع) ونفاه إلى خارج سورية بمنصب «نائب الرئيس» حيث تبعه عدد من قادة الوحدات العسكرية الموالية له.
ما زال رفعت حتى اليوم يعيش في المنفى (خسر منصب «نائب الرئيس» عام 1998)، لكن المحضر البريطاني يعيد التذكير بحقبة الصراعات داخل أسرة الرئيس الأسد، مشيراً إلى علاقات رفعت بزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، في رد كما يبدو على محاولات الرئيس السوري شق المنظمة وقلبها ضد زعيمها.
في 3 نيسان (أبريل) 1990، تلقى وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد وتشارلز باول (السكرتير الخاص لرئيس الوزراء ماغريت ثاتشر) رسالة من النائب في البرلمان جوليان أمري تضمنت محضراً لاجتماع عقده مع «نائب الرئيس السوري» خلال عطلة نهاية الأسبوع (31 آذار - مارس - 1 نيسان) في إسبانيا. جاء في رسالة أمري: «ذهبت لرؤية رفعت الأسد خلال نهاية الأسبوع في البانوس، قرب ماربيا، حيث يملك عقاراً. كان يحاول منذ بعض الوقت أن يرتّب لقاء.
أرفق طيّه ملاحظات عن مناقشاتنا.
لا أعتقد بأن هناك الكثير الذي يمكننا أن نقوم به للتأثير في الوضع (السوري). في المقابل، إذا سُمح لرفعت بأن يعود، وفق شروطه، فهذا يمكن أن يخفف من تشدد النظام البعثي الحالي في دمشق وربما يُضعف المافيا المؤيدة للسوفيات التي ما زالت تحيط بحافظ. ربما علينا أن نشجّع الأميركيين، والمصريين والإسرائيليين المهتمين بأن يسألوا ما إذا كان سيساعد استدعاء الرئيس حافظ رفعت للعودة بوصف ذلك بادرة على تغيير التفكير أو السياسة في دمشق.
أرفق نسخة من هذه الرسالة إلى 10 داونينغ ستريت. جوليان أمري».
وأُرفقت رسالة النائب البريطاني إلى رئيسة الوزراء ووزير الخارجية بمحضر حمل عنوان «ملاحظات في شأن لقاء بين نائب الرئيس السوري رفعت الأسد والنائب جوليان أمري يوم السبت 31 آذار 1990 في البانوس قرب ماربيا من الساعة 8 مساء حتى منتصف الليل». وأضاف المحضر: «عقدت لقاء مع نائب الرئيس استمر ساعتين (محادثة مترجمة) تلاه عشاء. كان (رفعت) يطلب اللقاء منذ بعض الوقت. لم يكن لديه شيء جديد ليقوله. اعتقد بأنه ببساطة كان تواقاً لإبقاء خط الاتصال مفتوحاً.
بدأ رفعت بالحديث عن آماله الكبيرة بحصول تغيير أساسي في ســـياسة ســـورية في آب (أغسطس) العام الماضي. لقد أُجهضت تلك الآمال. في رأيه الوضع لم يتغيّر تغيّراً كبيراً منذ ذلك الوقت باستثناء التحسن في العلاقات بين سورية ومصر. يميل إلى الاعتقاد بأن هذا (التحسن إنما هو) حملة علاقات عامة من كل من القاهرة ودمشق».
وتابع المحضر ناقلاً عن رفعت: «في سورية نفسها الوضع يتدهور لأسباب عدة. الوضع الاقتصادي يسوء ولا يمكن تحسينه من دون الابتعاد عن (سياسة) التحكّم في السوق. لبنان يستهلك قدرات (سورية) ورجالها. عودة الأردن إلى الحكم البرلماني تطرح أسئلة محرجة في دمشق. التأييد السوفياتي يتراجع في شكل واضح. ما زالت موسكو ترسل السلاح لكنها قلّصت في شكل كبير الدعم المادي والمعنوي، وهذا أمر يصبح جلياً. الدعم السعودي يبدو أيضاً أنه في تراجع. ما زال هناك أمل بالدعم الأميركي».
وشرح المحضر ما يعنيه بالدعم الأميركي: «رفعت لا يعتقد بأن المبادرات الأخيرة للرئيس السابق (جيمي) كارتر تمت بناء على تعليمات من واشنطن. كان لكارتر دوماً علاقة شخصية جيّدة مع حافظ الأسد. هو، أي كارتر، يعتبر كامب ديفيد أكبر إنجازاته ويريد أن يستكملها بترتيب اتفاق بين سورية وإسرائيل. لا شك في أنه تشاور مع كل من مصر وإسرائيل بالإضافة إلى واشنطن قبل ذهابه إلى دمشق».
وتابع التقرير: «بالانتقال إلى وضعه الخاص، قال رفعت إنه أوضح (للرئيس الأسد الذي اعتقد بأنه ما زال على اتصال به) أنه لن يعود إلى دمشق ما لم يتم إعادة تنصيبه في منصبه القيادي السابق، ويسمح له بأن يجلب معه عدداً من الضباط الذين تبعوه إلى المنفى. إذا ما كان له أن يعود فإحدى أولى خطواته ستكون الدعوة إلى حوار فوري مع إسرائيل. في تقويمه، حافظ الأسد في وضع لا يختلف كثيراً عن وضع تشاوشيسكو (رئيس رومانيا السابق) وقادة آخرين مؤيدين للسوفيات في أوروبا الشرقية وإثيوبيا. ربما يريد الانعطاف وتبني اتجاه مؤيّد للغرب لكن ذلك سيكون صعباً عليه ويتطلب اقتناعاً من الدول الأخرى المعنية. هو، رفعت، إذا ما سُمح له بالعودة، وفق شروطه، سيكون في وضع أفضل لإقناع دول أخرى في المنطقة بأن تحوّل حافظ حقيقي. حتى الآن، لا يبدو أن هناك تغييراً في هذا الاتجاه من دمشق. في ظل هذا الوضع ليس أمامه (رفعت) من خيار سوى انتظار التطورات».
وتابع أمري: «حديثنا خلال العشاء كان أكثر عمومية (اللقاء الأول كان ببساطة عبر مترجم). رفعت يعرف السوفيات معرفة جيدة. يعتقد بأنهم لا بدّ أن يتراجعوا نحو عمقهم السلافي (الكلمة الأصلية كانت «السوفياتي» لكنها مصححة بخط اليد إلى «سلافي») حيث سيبقون قوة عسكرية لا يستهان بها. يفترض أنهم قد يُبقون أيضاً على علاقات مهمة مع تلك الأراضي «المستعمرة» التي سيكون عليهم تركها»، في إشارة إلى الدول المتحالفة معهم.
واختتم أمري محضره: «جاء إليّ رفعت بعد ظهر اليوم التالي لتوديعي. سألني عن علاقتي بياسر عرفات. عندما قلت له إنني لم أقابله قط، قال إنه سأل فقط لأنه اعتقد بأنني يمكن أن أطلب إرسال تحياتي له كونه سيأتي لرؤية رفعت في مساء اليوم ذاته. (فهمت أن حافظ يدعم جماعة فلسطينية منافسة لمنظمة التحرير الفلسطينية لذلك فإن منظمة التحرير تحاول خطب ود رفعت). جوليان أمري».

Saturday, 31 December 2016

البريطانيون رصدوا حشداً عراقياً «هائلاً» على حدود الكويت... لكنهم لم يتوقعوا الاجتياح http://www.alhayat.com/Articles/19347800

البريطانيون رصدوا حشداً عراقياً «هائلاً» على حدود الكويت... لكنهم لم يتوقعوا الاجتياح A+ a- Print Email تعليق (0) النسخة: الورقية - دولي السبت، ٣١ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) آخر تحديث: السبت، ٣١ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - كميل الطويل تناولت وثائق حكومية بريطانية رُفعت عنها السرية في الأرشيف الوطني، أزمة الاجتياح العراقي للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990، معيدة التذكير بواحدة من أشد الأزمات التي عصفت بالعالم العربي، وتحديداً بين دوله، في الحقبة الحديثة. وتعطي الوثائق، وهي عبارة عن تقارير ومحاضر سرية أعدتها الحكومة البريطانية وبعثاتها الديبلوماسية، صورة واضحة عن التطورات التي سبقت الاجتياح، شارحة خلفياته، بما في ذلك قضية الديون العراقية المستحقة للكويت والمطالب العراقية بأراض كويتية، وبالتحديد جزيرتي بوبيان ووربة. كما تتناول الوثائق الاتصالات التي أجراها البريطانيون من أجل معرفة مدى خطورة المواقف العراقية التي سبقت العدوان على الكويت. وكان واضحاً، من هذه الوثائق، أن البريطانيين شعروا بقلق كبير إزاء النيات العراقية، لكنهم لم يكونوا يعرفون ما يُعدّ له صدام حسين، كما أنهم كانوا يخشون التصرف بما يثير غضب العراقيين ويؤثر في علاقاتهم التجارية معهم وأيضاً على مصير السجين البريطاني، رجل الأعمال إيان ريختر، الذي كانت لندن تسعى منذ فترة إلى تأمين الإفراج عنه من سجنه في بغداد. ففي وثيقة مؤرخة في 30 تموز (يوليو) 1990، بعث سفير المملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة في نيويورك (سير كريسبن تيكيل) مذكرة إلى وزارة الخارجية أبلغها فيها بأنه ناقش، بناء على طلبها، الأزمة العراقية - الكويتية مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وهم - إلى جانب بريطانيا - سفراء الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين وفرنسا. ولاحظ السفير، في برقيته، أن «حرارة» التهديدات العراقية للكويت تراجعت بعدما لبّى الكويتيون بعض المطالب العراقية، لا سيما في خصوص «تثبيت سعر جديد، ومرتفع، لنفط أوبك»، في إشارة إلى القضية التي أثارها العراقيون آنذاك في خصوص أن الإنتاج الكويتي من النفط يؤدي إلى تراجع سعره عالمياً، بينما العراق يريد رفع السعر كي يتمكن من سداد ديونه المتراكمة إلى الكويت وغيرها بعد خروجه من حرب منهكة دامت 8 سنوات مع إيران. وينقل السفير البريطاني، في البرقية ذاتها، عن توماس بيكرينغ، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، إنه اتفق معه على أن هناك مشكلة أخرى «أكثر صعوبة» من قضية سعر برميل النفط وتتمثل في مطالبة العراقيين بجزيرتي بوبيان ووربة. وورد في البرقية أن بيكرينغ قال في الاجتماع إن صدام حسين أجرى محادثات مع سفيرة الولايات المتحدة في بغداد أبريل غلاسبي و «بدا أكثر ارتياحاً مما كان عليه منذ سنوات في خصوص شط العرب ووضع اتفاق الجزائر» الذي يحدد الحدود الملاحية مع إيران في هذا المجرى المائي بين البلدين. ومعروف أن كلاماً كثيراً قيل لاحقاً في شأن اجتماع صدام مع غلاسبي، وتحديداً ما قيل عن غضها الطرف عن تهديداته للكويت باعتبارها تدخل في إطار خلاف داخلي عربي - عربي. وهناك من فسّر موقفها آنذاك بأنه يعني أن الأميركيين لن يتدخلوا لمنع صدام من اجتياح الكويت. في الواقع، جاء اجتماع سفراء الدول الخمس الكبرى في نيويورك على وقع معلومات استخباراتية بريطانية عن حشود عراقية «هائلة» تتجه نحو الحدود الكويتية. وأشارت مذكرة وقّعها «كيلي» من البعثة البريطانية في بغداد (روبن كيلي، القنصل البريطاني العام)، بتاريخ 22 تموز (يوليو)، إلى أن ضباطاً يعملون في القسم الدفاعي في السفارة قاموا برحلة، ذهاباً وإياباً، بين بغداد والكويت، وأنهم شاهدوا وهم في طريق العودة إلى العاصمة العراقية (سلكوا طريق صفوان - الناصرية - الكوت) حشداً غير مسبوق لقوات الحرس الجمهوري وهي تزحف نحو حدود الكويت. وتضمن تقرير العسكريين البريطانيين، والواضح أنهم من أجهزة الاستخبارات، تسجيل أرقام العربات العسكرية التي شاهدوها (أكثر من 3000 آلية)، والإشارات التي يضعها الجنود على بذاتهم العسكرية (علامة قوات الحرس الجمهوري والعلامة الحمراء للقوات الخاصة المظلية)، وأنواع الآليات التي يتم الدفع بها، من دبابات وناقلات جند وشاحنات نقل وعربات لوحدات الهندسة، وكذلك مواقع المخيمات التي يتم نصبها لهذا الحشد (غرب الزبير). ولاحظ التقرير أن الأمن العراقي لم يحاول التحرش أو عرقلة عمل العسكريين البريطانيين خلال مراقبتهم تقدم القوات نحو حدود الكويت. وبما أن جولة هؤلاء كانت قد نالت إذناً مسبقاً من السلطات العراقية، فقد خلص التقرير البريطاني إلى أن بغداد تريد على الأرجح أن يُعرف أنها تحشد قواتها ضد الكويت. لكن التقرير يقول إن النيات العراقية «ليست واضحة» في خصوص الهدف النهائي من إرسال القوات. ما عجز تقرير كيلي من بغداد عن التنبؤ به سرعان ما كشفه صدام. فبعد 10 أيام فقط كانت القوات العراقية تعبر الحدود الكويتية، وتسيطر على كامل أراضي جارتها الصغيرة، ما اضطر القيادة الكويتية إلى الانتقال إلى السعودية التي وقفت بصلابة إلى جانب الكويتيين وضد العدوان العراقي. وتفيد الوثائق بالتفصيل الاتصالات التي باشرها البريطانيون مباشرة بعد الغزو، الذي قوبل بقرار فوري من مجلس الأمن يطالب العراقيين بانسحاب غير مشروط (القرار الرقم 660، حظي بتأييد 14 دولة باستثناء اليمن الذي لم يشارك في التصويت). أصدر مجلس الأمن خلال الشهور السبعة لاحتلال الكويت قراراً تلو الآخر بفرض عقوبات وحصار على العراق، لكنها لم تنجح في إقناع صدام بالانسحاب سلماً. وتوضح الوثائق البريطانية أن حكومة مارغريت ثاتشر كانت بالفعل تفكّر في بدء عمل عسكري، توقعاً لفشل العقوبات. وتكشف برقية من السفارة البريطانية في واشنطن (السفير سير أنتوني آكلاند)، بتاريخ 6 أيلول (سبتمبر) 1990، أن الجانب البريطاني بدأ اتصالات مع الأميركيين لمناقشة «الأسس القانونية للعمل العسكري» ضد صدام. وتوضح البرقية أن الأميركيين اتفقوا مع البريطانيين على أن الرسالة التي تلقوها من الحكومة الكويتية والتي تطالب بإجراءات اقتصادية ضد العراق لدفعه إلى الانسحاب «تحد مستقبلاً من حريتنا في بدء أي عمل (عسكري)». لكن الأميركيين جادلوا، في الوقت ذاته، بأن الرسالة الكويتية تنص على أن الهدف هو تطبيق القرار 660 الذي يطالب العراقيين بالانسحاب غير المشروط، وأن ذلك يمكن استخدامه - بالإضافة إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة - كمبرر يعطي «مشروعية لأي عمل عسكري أميركي» محتمل لتحرير الكويت. وتضيف الوثيقة أن الأميركيين جادلوا أيضاً بأن العمل العسكري يمكن اللجوء إليه «بمجرد إيماءة بالموافقة المسبقة من الكويتيين». لكن البريطانيين لم يريدوا، كما يبدو، حصول تدخل عسكري سوى بعد تأمين أكبر حشد دولي ضد العراق، وبالتحديد من خلال جذب الاتحاد السوفياتي إلى موقف مشترك مع الأميركيين. وتكشف الوثائق البريطانية أن ثاتشر سعت إلى التقريب بين الرئيسين جورج بوش وميخائيل غورباتشوف اللذين عقدا قمة في هلسنكي في مطلع أيلول (سبتمبر). ففي 6 أيلول تلقت ثاتشر من مستشارها للشؤون الخارجية تشارلز باول رسالة مصنّفة «سرية» تتناول المواضيع التي يفترض أن تثيرها في اتصال هاتفي مع بوش قبل اجتماعه مع غورباتشوف. وقال باول لثاتشر إن عليها أن تلفت نظر الرئيس الأميركي إلى أن «المشكلة الأساسية الوحيدة محل الخلاف هي هل هناك ضرورة للعودة إلى الأمم المتحدة من أجل نيل تفويض إضافي قبل استخدام العمل العسكري لطرد صدام حسين من الكويت». وأضاف أن عليها إبلاغ بوش بأن الرأي القانوني للبريطانيين يقول إن هناك حاجة إلى طلب رسالة جديدة من أمير الكويت تغطي مشروعية العمل العسكري لتحرير بلده. ويلفت باول نظر ثاتشر إلى أن الأميركيين يترددون في السير بهذا الخيار، ويدعوها إلى الطلب من بوش أن يشجع غورباتشوف «على سحب جميع المستشارين العسكريين الروس (من العراق). (لأن) وجودهم يعطي إشارة خاطئة: علينا أن نعزل صدام حسين في شكل كامل». واستبقت ثاتشر اتصالها ببوش برسالة إلى غورباتشوف قالت فيها: «إن تبعات العمل العراقي خطيرة جداً بالفعل. ليس هناك أي مبرر يمكن تصوّره كي تزحف دولة وتحتل أخرى فقط لأنها تطمع في ثرواتها ومصادرها». واعتبرت رئيسة الوزراء البريطانية «أن التصرف العراقي يوجد عالماً بلا قانون، وسيؤثر في ثقة كل الدول الصغيرة». وفي إشارة إلى ألمانيا النازية وسياسات هتلر التوسعية في أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي، توجهت ثاتشر إلى غورباتشوف قائلة: «لدولتينا ذكريات مريرة في خصوص تبعات العجز عن التصدي لابتلاع دول صغيرة في الثلاثينات». وفي 6 أيلول أيضاً، كتب باول محضر اجتماع جمع ثاتشر ووزير خارجيتها دوغلاس هيرد لمناقشة أزمة الاجتياح العراقي للكويت. وجاء في المحضر: «قالت رئيسة الوزراء إنها متيقنة في شكل متزايد أن صدام حسين لن يخرج من الكويت سوى بعد رميه خارجها». وأضاف المحضر أن ثاتشر قالت إنها «وصلت إلى هذا الاقتناع نفسه في شأن الجنرال (الأرجنتيني) غالتييري في نزاع فوكلاند»، في إشارة إلى الحرب على هذه الجزر في العام 1982. في المقابل، لفت المحضر إلى أن «وزير الخارجية (هيرد) كان ميالاً أكثر لإعطاء فرصة للعقوبات كي تنجح، بشرط أن نقنع صدام حسين بأنه سيُضرب ضرباً شديداً إذا بقي» في الكويت. وبحسب المحضر ذاته، وافقت ثاتشر على ضرورة منح فرصة للعقوبات الدولية، لكنها قالت إن ذلك لا يجب أن يطول أكثر من 3 - 6 أشهر، وأنه يجب بدء التحضير للعمل العسكري تحسباً لفشل العقوبات. نقل المحضر عن ثاتشر: «إذا لم تنجح العقوبات وفشلت الولايات المتحدة والقوة المتعددة الجنسيات في القيام بعمل عسكري، فإنها تتوقع أن يوجّه الإسرائيليون ضربة (للعراق)».

Friday, 30 December 2016

ALHAYAT - My story today (on the Iraqi invasion of Kuwait, 1990) http://www.alhayat.com/Articles/19333979

«الشاويش» علي صالح حاول «رشوة» مبارك لخدمة صدام النسخة: الورقية - دولي الجمعة، ٣٠ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) آخر تحديث: الجمعة، ٣٠ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٦ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - كميل الطويل أعادت وثائق حكومية بريطانية رُفعت عنها السرية في الأرشيف الوطني اليوم الجمعة، نكء جروح كانت اندملت إلى حد كبير في العلاقات العربية– العربية، لا سيما على خلفية الانقسام الذي سببه الاجتياح العراقي للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990، إذ تنقل الوثائق كمّاً ضخماً من الاتهامات التي كالها زعماء عرب بعضهم إلى بعض، بسبب وقوفهم إلى جانب الرئيس العراقي السابق صدام حسين أو إلى جانب معارضيه. ولعل أشد الاتهامات الواردة في المحاضر السرية البريطانية كانت تلك التي أطلقها الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي اتهم صدام بمحاولة رشوته بملايين الدولارات من أجل ضمان تأييد العراق. وإضافة إلى صدام، شن مبارك هجوماً لاذعاً على العاهل الأردني الراحل الملك حسين، واتهمه بالعمل لمصلحة صدام. وشن هجوماً مماثلاً ضد الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، الذي قال إنه جاء إلى مصر حاملاً 25 مليون دولار «رشوة» من صدام. ومعلوم أن مبارك كان أطلق مثل هذه الاتهامات علناً بُعيد الاجتياح العراقي للكويت، لكن كلامه هنا جاء في إطار أحاديث خاصة مع مسؤولين غربيين. وبحسب الوثائق البريطانية، استخدم مبارك في انتقاده علي صالح، وصْفَ «شاويش»، في إشارة إلى أن الرئيس اليمني السابق كان متدني الرتبة عندما التحق بالقوات المسلحة اليمنية قبل أن يصبح رئيساً في العام 1978. وتنقل الوثائق أيضاً عن مبارك قوله إن صدام مصاب بهوس أن يكون العراق «دولة عظمى إقليمية» مؤكداً انه لن يخرج من الكويت إلا بالقوة، كما تتحدث عن «اختلاف» في المواقف من العدوان العراقي على الكويت بين الملك حسين وولي عهده الأمير حسن، لافتة إلى أن مواقف الأخير كانت «ناضجة» وأقرب إلى مواقف دول الخليج وأكثر تفهماً للأوضاع الخطيرة التي سيواجهها الأردن نتيجة تداعيات الأزمة والظهور بمظهر المؤيد لصدام. وتنقل الوثائق في الوقت ذاته عن الملك حسين تأكيده أنه لا يقف إلى جانب صدام في اجتياح الكويت، بل يريد أن يكون في وضع يسمح له بلعب دور وساطة في الأزمة. وتكشف أن بريطانيا قالت في اتصالاتها آنذاك مع دول المنطقة، إنها لا تريد أن يسقط العرش الهاشمي، وإنها سعت إلى إقناع المستائين من موقف الأردن بمساعدته لئلا تهدد الأوضاع استقرار الحكم. وتنقل الوثائق أيضاً عن صالح أنه حاول أمام وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد، أن يبرر لصدام احتجازه رهائن غربيين لمنع حصول ضربات تستهدف العراق لإرغامه على الانسحاب من الكويت، قائلاً إن صدام لم يفعل أكثر مما فعله اليابانيون خلال الحرب العالمية الثانية، فرد عليه الوزير البريطاني بأن اليابانيين فعلوا ذلك حقاً لكن مصيرهم كان الاعتقال وحبل المشنقة. وفي الوثائق أيضاً، معلومات مفصلة عن الجهود التي قامت بها حكومة مارغريت ثاتشر لحشد التأييد الدولي ضد صدام، بما في ذلك الطلب من الأميركيين تحضير الأساس القانوني الذي يمكن اللجوء إليه لشن عمل عسكري يُرغم صدام على الخروج من الكويت. وتنقل المحاضر عن ثاتشر قولها إنها مقتنعة بأن صدام لن يترك الكويت إلا إذا تم «رميه خارجها»، في حين جادل وزيرها للخارجية (هيرد) بضرورة إعطاء فرصة للحصار الدولي الذي فرضته الأمم المتحدة، على أمل أن ينجح في دفع الرئيس العراقي إلى إعادة النظر، سلماً، في موقفه. وقالت ثاتشر إنه إذا عجز المجتمع الدولي عن إرغام صدام على ترك الكويت فإنها تعتقد أن الإسرائيليين سيوجهون إليه ضربة عسكرية. ومن ضمن الوثائق واحدة توضح أن عسكريين بريطانيين يُعتقد أنهم من الاستخبارات، رصدوا حشد العراق قواته قرب الحدود الكويتية في الشهر السابق للغزو، وتحدثوا عن مشاهدتهم قوافل تبدأ ولا تنتهي من قوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة وهي تتجه جنوباً نحو الكويت، من دون أن يتضح هل هذه الحشود هدفها إخافة الكويتيين فقط أم القيام بعمل عسكري ما. لم تمر أيام على التقرير الأمني البريطاني حتى كانت القوات العراقية تعبر الحدود الكويتية بعد منتصف الليل في 2 آب (أغسطس)، وتسيطر على العاصمة وبقية أرجاء الدولة، حيث اضطرت الحكومة الكويتية للجوء إلى المملكة العربية السعودية. لم يكتف صدام بما فعل، بل لجأ إلى إعلان ضم الكويت إلى العراق وجعلها «المحافظة 19». ولا تغطي الوثائق مرحلة التحرير الذي بدأ في كانون الثاني (يناير) 1991.

Sunday, 25 December 2016

مقابلتي مع السلطة الخامسة - يسري فودة

https://twitter.com/dw_Sulta5/status/812017384663879680

مقالتي في الحياة اليوم

http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/19250992


النسخة: الورقية - دولي الأحد، ٢٥ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٦ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
بعد خمسة أيام، وتحديداً في 30 كانون الأول (ديسمبر)، تمر الذكرى العاشرة لإعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين. جاء إعدامه، آنذاك، تنفيذاً لحكم أصدره القضاء العراقي بعدما دانه بـ «مذبحة الدجيل» التي راح ضحيتها 148 شيعياً في العام 1982. ولو أتيح مزيد من الوقت قبل تعليقه على حبل المشنقة، لكان القضاء العراقي بالتأكيد قد دانه أيضاً بعشرات الحروب العبثية والمذابح واستخدام السلاح الكيماوي وانتهاكات أخرى لا تُحصى ضد شعبه وجيرانه على مدى سنوات عهده منذ 1979 وحتى إطاحته في العام 2003.
هل نال الرجل ما يستحق؟ سيقول كثيرون إنه نال أقل مما يستحق، لكن هناك أيضاً من لا يزال يؤمن أنه كان شخصاً وطنياً ويعتبر رحيله خسارة. سيجادل أصحاب هذا الرأي الأخير بأن صدام، على رغم أخطائه الكبيرة، منع ظهور الانقسام الطائفي الحاد الذي يشهده العراق حالياً بعد رحيله، سواء من خلال بروز الجماعات الشيعية المتشددة (وبعضها مرتبط صراحة بالاستخبارات الإيرانية ويعمل تحت إشرافها) وأيضاً الجماعات السنيّة المتشددة، كـ «داعش» وإخوته. وسيشير هؤلاء أيضاً إلى أن رحيل صدام كرّس «تفكك» العراق بعدما بات الكيان الخاص بالأكراد على شفا الاستقلال الكامل. سيردّ معارضو صدام، بلا شك، بالقول إن ديكتاتوريته هي التي انتجت كل هذه المصائب في العراق، وإن الانقسام الطائفي كان موجوداً وإن غير ظاهر علناً، بينما الأكراد ما كانوا ليسعوا إلى الانفصال لو قدّم لهم العراق ما يشجعهم على البقاء في إطاره.
لن يعجز طرفا الجدال عن إيجاد أدلة تبرهن صحة مواقفهم من الرئيس الراحل، سواء لجهة شيطنته وإثبات إجرامه أو لسبغه بثوب ملائكي يعكس مدى حبه وولائه لوطنه.
لكن الطرفين، على رغم تناقضهما، لا بد أن يتفقا على أن العراق اليوم يفتقد رجلاً قوياً، كصدام، يستطيع أن يفرض سلطة الدولة - بطشها، في الواقع - على أنحاء البلاد. كانت أجهزة الأمن العراقية في أيامه تحصي أنفاس المواطنين وتزرع الرعب في قلوبهم. كانت تقتل أو تسجن أي شخص يُشتم منه رائحة المعارضة. لكنها، في المقابل، نجحت وإلى حد كبير في فرض درجة كبيرة من الأمن والاستقرار الداخلي، الأمر الذي عجزت الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ إطاحته في العام 2003، عن تحقيق ولو جزء يسير منه.
وهنا بيت القصيد. هل يفضّل العراقيون اليوم أمناً واستقراراً في ظل نظام سلطوي يديره حزب واحد، أم يفضّلون فوضى واقتتالاً أهلياً في ظل نظام تعددي الأحزاب؟ وما يُطلب من العراقيين أن يقرروا فيه هنا ليس حكراً عليهم. فمواطنو دول ما يُعرف بـ «الربيع العربي»، المجهض، يبدون حائرين، كالعراقيين، في التفضيل بين أنظمتهم السلطوية السابقة وبين وضعهم الحالي المزري. الليبيون، مثلاً، لا بد من أنهم يعيدون التفكير في ما إذا كان وضعهم في أيام حكم العقيد الراحل معمر القذافي أفضل، في بعض نواحيه على الأقل، من وضعهم حالياً في ظل ثلاث حكومات متنافسة وعشرات الميليشيات المتناحرة على السلطة. والمصريون لا بد من أنهم أيضاً يقارنون بين أيام الرئيس السابق حسني مبارك ووضعهم بعد «ثورة يناير» التي أطاحته من حكمه المديد. التونسيون يستذكرون أيام بن علي، بحلوها ومرّها، واليمنيون يترحّمون على أيام علي صالح. بعض السوريين، على الأقل، لا بد من أنه يحن إلى ما كان عليه بلدهم قبل انطلاق الثورة على الأسد وقمعه الدموي لها … سيل عربي لا يتوقف من المقارنات المحتملة.
عقارب الساعة، بالتأكيد، لا تعود إلى الوراء. لكن ما نشاهده اليوم في بلدان الربيع المنكوب يعكس، كما يبدو، رغبة ما في استيلاد نظام سلطوي جديد بديلاً للفوضى التي حلت بعد رحيل الأنظمة السلطوية السابقة. مصر عبدالفتاح السيسي ليست بعيدة من هذا الإطار، وكذلك ليبيا المشير خليفة حفتر. بعض اليمنيين يتمسك بعلي صالح بديلاً للفوضى والتفكك، ومؤيدو الأسد يروّجون لفكرة مماثلة.
هل «الرجل القوي» هو الخيار الأفضل للبلدان العربية، حتى ولو كان ديكتاتوراً سلطوياً؟ بعد الربيع العربي سيقول كثيرون إنهم يفضلون هذا الخيار بالطبع على الاقتتال الأهلي. لكن هذا الخيار، بالتأكيد، لا يجب أن يكون الوحيد والأبدي، وإلا لاستحق العرب ما يُقال عنهم من أنهم غير جاهزين للحكم الديموقراطي، كغيرهم من بلدان العالم المتحضّر!